وطن-تسعى النفس البشرية، منذ فجر الفكر الإنساني، إلى فهم دوافعها وصلابة قناعاتها وقدرتها على مقاومة التأثير الخارجي. وبينما نحسب أنفسنا أحرار القرار، جاءت دراسات علم النفس لتطرح سؤالاً مقلقاً: إلى أي مدى نحن حقًا من يقود قراراته؟
تقدّم خلاصة أبحاثٍ متعددة جمعها عالم النفس الإسباني الدكتور خافيير أورّا في كتابه “كيف نحن حقًا؟” صورة مذهلة عن هشاشتنا الإدراكية ومرونتنا النفسية أمام عوامل خفية، رغم ثقتنا الدائمة بحكمنا على الأمور.
أوهام الوعي الذاتي
في سلسلةٍ من التجارب الكلاسيكية، طُلب من مجموعةٍ من الأشخاص اختيار الوجوه التي وجدوها أكثر جاذبية. ثم عُرضت عليهم صور مختلفة على أنها اختياراتهم الأصلية، وطُلب منهم شرح سبب إعجابهم بها. المدهش أن أغلبهم قدّم تبريراتٍ واثقة لاختيارٍ لم يقم به أصلاً. يعلق أورّا بأن هذه النتائج تؤكد ما يُعرف بـ«وهم الاستبطان»، أي أننا كثيراً ما نبتكر أسباباً لقراراتنا دون وعيٍ حقيقي بمصدرها.
وفي تجربة أخرى أُجريَت في خمسينيات القرن الماضي، أدّى المشاركون مهاماً مملة للغاية ثم طُلب منهم إقناع الآخرين بأنها كانت ممتعة. حصل بعضهم على دولارٍ واحد مقابل الكذب، فيما نال آخرون عشرين دولارًا. المدهش أن أصحاب الدولار الواحد بدوا أكثر اقتناعًا بحديثهم؛ إذ لم يجدوا مبررًا ماديًا للكذب فاختاروا، من دون وعي، تعديل قناعتهم لتنسجم مع سلوكهم. يسمّي علماء النفس هذا التناقض «التنافر المعرفي»، وهو ميل الإنسان لتغيير رأيه لتجنب الصراع الداخلي بين ما يفعله وما يعتقده.
متى نساعد الآخر؟
تُظهر دراسة اجتماعية طريفة أن اندفاع الناس لمساعدة شخصٍ يبدو محتاجًا لا يتحدد بدرجة تدينهم أو تعاطفهم المعلن، بل بحجم الوقت المتاح لديهم. ففي تجربة ميدانية، مثّل أحد الأشخاص دور مريضٍ يسقط عند مدخل مبنى بينما كان المارة في عجلة من أمرهم. من توقفوا لمساعدته هم ببساطة أولئك الذين لم يكونوا على عجلة.
أما اللافت الآخر، فكان في تجربة أُسقطت خلالها محفظةٌ في الشارع. كانت نسبة إعادتها إلى الشرطة ترتفع بشكل لافت حين تحوي صورة طفل. وكأن المشهد الإنساني وحده كفيل بإيقاظ حسّ المسؤولية لدى المارة أكثر من أي حافز أخلاقي آخر.
وتشير تجربة مختلفة إلى أن الإحساس بالالتزام الشخصي يزيد استعدادنا للتصرف بشجاعة. فحين طُلب من أحد المتنزهين مراقبة أغراض سبّاح، واجه 95% من المراقبين اللص الذي حاول سرقة الأغراض. بينما لم يتدخل سوى ربع الشهود عندما لم يُطلب منهم المراقبة. إن الشعور بالمسؤولية المباشرة يعزز السلوك الأخلاقي أكثر من القوانين أو التعليمات.
صورة الذات والانتقاد الداخلي
من التجارب التي تلامس الحياة اليومية، دراسة قارنت بين انطباع كل شخص عن نفسه أثناء مقابلةٍ تعارفية، وانطباع محاوره عنه. أغلب المشاركين ظنوا أنهم تركوا انطباعًا سيئًا، في حين قيّمهم الطرف الآخر بإيجابية.
تؤكد هذه النتائج أننا ميّالون إلى القسوة على أنفسنا والتقليل من قيمتنا، رغم أننا في مجالات أخرى نميل إلى العكس. فقد أظهر بحث آخر أن نحو 80% من الناس يعتقدون أنهم أذكى من المتوسط، وهو تناقض يكشف تقلب ثقتنا في ذواتنا بحسب الموقف.
حدود الإدراك والانتباه
في اختبار للانتباه البصري، تم تعليق ملصقات لطفلٍ مفقود في حديقة عامة، بينما كان الطفل نفسه — الممثل في التجربة — يلعب في المكان. أغلب المتطوعين، رغم إلمامهم بصورة الطفل، لم يتعرفوا عليه حين شاهدوه أمامهم. المفارقة أن جميعهم أكدوا مسبقًا أنهم سيتعرفون عليه دون تردد. يوضح هذا أن وعينا البصري محدود أكثر مما نتصور، حتى في مواقف يُفترض أن تستنفر الانتباه الإنساني.
الغضب لا يهدأ بالعدوان
تجربة جامعية حديثة اختبرت فكرة “التفريغ الانفعالي” الشهيرة. إذ قام أستاذ بإغضاب طلبته عمداً عبر انتقاد أعمالهم بشدة، ثم أُتيح لنصفهم أن يفرغ غضبه باللكم في كيس ملاكمة، بينما طُلب من النصف الآخر الجلوس بهدوء لبضع دقائق.
عند قياس مستويات العدوانية لاحقًا، سجّل الفريق الأول معدلاتٍ أعلى بكثير. يعلّق أورّا بأن تفريغ الغضب عبر العنف لا يهدئ النفس، بل يرسّخ العدوان. خبرته العملية مع المراهقين تثبت النتيجة ذاتها: كلما تم تشجيع الفرد على التعبير الغاضب جسديًا، زاد استعداده للعنف في المرات اللاحقة.
وعيٌ أعمق بالإنسان
تجمع هذه التجارب وغيرها التي تجاوزت المئة ضمن دراسات الدكتور أورّا، على فكرة جوهرية: إن الإنسان كائن معقد يسهل توجيهه أكثر مما يظن، لكنه في الوقت نفسه قادر على مراجعة ذاته وفهم دوافعه حين يدرك هذا الضعف. فهم هذه الآليات يساعد على فهم النفس البشرية أكثر، فكل وعيٍ بحدودنا هو خطوة نحو قراراتٍ أصدق، وتعاملٍ أرحم مع الذات والآخرين.
قد يعجبك
عبارة واحدة يخفي بها المراهق صرخته طلبًا للمساعدة
مشكلة متفاقمة تؤثر في المزاج والطاقة اليومية… خبراء ينصحون بثلاث خطوات بسيطة لاستعادة النشاط
كيف يمكن للإنسان أن يصبح نسخة أفضل من نفسه؟












