وطن-في خطوة أثارت نقاشًا واسعًا في الأوساط الدبلوماسية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مدينة دافوس السويسرية، على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في 22 يناير/كانون الثاني 2026، عن إطلاق مبادرة جديدة تحمل اسم “مجلس السلام”، قال إنها ستعمل على تثبيت وقف إطلاق النار في غزة وتمهيد الطريق لإعادة إعمارها وترتيب المشهد السياسي لما بعد الحرب.
ومع أن المشروع قدّم بواجهة إنسانية، إلا أن هيكليته وطبيعة السلطة التي يحتفظ بها ترامب شخصيًا أثارت موجة من التساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء قيام هذا الكيان الجديد.
بنية غير مألوفة لمؤسسة “دولية”
يترأس ترامب المجلس بنفسه، وهو تصميم يمنحه سلطة شبه رئاسية داخل هيئة يُفترض أنها متعددة الأطراف. وتقوم الفكرة على نموذج يشبه “النوادي السياسية”، حيث يمكن لبعض الدول أن تحظى بعضوية دائمة أو نفوذ أكبر مقابل مساهمات مالية ضخمة قد تصل إلى مليار دولار، في ما يشبه ترتيبًا اقتصادياً للنفوذ الخارجي.
هذه الصيغة – بحسب مراقبين – تحمل في طياتها أول ملامح مؤسسة موازية قادرة على العمل خارج نطاق منظومة الأمم المتحدة أو حتى منافستها على تمثيل الشرعية الدولية في إدارة الأزمات.
من هم الأعضاء المؤسسون؟
وُقّعت وثيقة التأسيس في دافوس بحضور ممثلي عدد من الدول التي وصفت بأنها الأعضاء المؤسسون، من بينها الأرجنتين وباراغواي والمجر. ووفق تقديرات وكالة “رويترز”، فإن نحو 35 دولة قبلت الانضمام أو أبدت التزامها المبدئي بالمشاركة في المجلس، من بينها دول أساسية في الشرق الأوسط مثل:
إسرائيل، السعودية، الإمارات، مصر، قطر، الأردن، البحرين وتركيا.
كما تشمل القائمة دولًا من آسيا وأوروبا وأميركا اللاتينية، مع أسماء لافتة مثل المجر، أوزبكستان، إندونيسيا، كازاخستان، باكستان، المغرب، وأيضًا بيلاروسيا التي يثير انضمامها تساؤلات بسبب سجلها الخلافي مع الغرب.
أما ترامب نفسه فقد تحدث عن 59 دولة مؤيدة أو منخرطة في المشروع، لكن القوائم التي تتبعها وسائل الإعلام الدولية تشير إلى عدد أقل بكثير، ما يوحي بأن الإعلان يتجاوز الواقع من حيث حجم الدعم الفعلي. ومع ذلك، يسوّق ترامب المجلس بوصفه إطارًا عالميًا ناشئًا يمتلك “الكتلة الحرجة” الكافية للحركة السياسية.
من رفض المشاركة؟
اللافت ليس فقط الدول التي انضمت، بل أيضًا تلك التي رفضت أو امتنعت. ففرنسا، على سبيل المثال، عبّرت عن دعمها لأي جهد يرسّخ السلام في غزة لكنها رفضت الانخراط في هيئة قد يُفهم دورها كبديل عن الأمم المتحدة. كما اتخذت كلٌّ من النرويج والسويد موقفًا مشابهًا.
أما بريطانيا، فاختارت التريث ولم تُبدِ قرارًا نهائيًا، في حين قالت الصين إنها تدرس الموقف، وأعلنت روسيا أنها “تتشاور مع شركائها”. ويُلاحظ أن أياً من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن – باستثناء الولايات المتحدة – لم تؤكد انضمامها، ما يجعل المجلس الجديد كيانًا أميركيًا الطابع أكثر من كونه إطارًا دوليًا متوازنًا.
تخوفات من تقويض الأمم المتحدة
تنبع موجة القلق الدبلوماسي من أن المبادرة لا تبدو موجهة حصراً إلى القضية الفلسطينية، بل تحمل مؤشرات على رغبة في إعادة رسم النظام المتعدد الأطراف نفسه. فالأمم المتحدة تمثل الإطار القانوني والسياسي الذي ينظم الشرعية الدولية منذ الحرب العالمية الثانية، وأي جهاز موازٍ لها قد يؤدي إلى إضعاف دورها أو تحييدها عن الملفات الكبرى.
وما يزيد من حدة الشكوك، أن تصريحات ترامب ألمحت إلى أن مجلس السلام يمكنه التحرك بحرية واسعة، “بالتنسيق مع الأمم المتحدة”، وهي عبارة فُسّرت في أكثر من عاصمة بوصفها تلميحًا إلى هيمنة محتملة لا تنسيق حقيقي.
كما أن الفلسفة الاقتصادية للمجلس – التي تقوم على شراء موقع أو نفوذ سياسي عبر مساهمات مالية – تمثل خروجًا عن مبدأ المساواة الذي يقوم عليه النظام الأممي، وتحمل خطر تحويل العمل الدبلوماسي المتعدد الأطراف إلى فضاء استثماري تحكمه القدرة المالية لا شرعية التمثيل.
دعم مشروط من مجلس الأمن
ورغم أن مجلس الأمن أقرّ دور المجلس الجديد في غزة كآلية موقتة ضمن خطة أميركية لضمان وقف إطلاق النار، فقد اشترط وجود رقابة ومساءلة دورية من الأمم المتحدة. غير أن ترامب عرض المشروع باعتباره نموذجًا قابلًا للتوسع نحو أزمات أخرى، بما يشير إلى أن غزة قد تكون منصة تجريبية لبناء مؤسسة موازية دائمة النفوذ.
بينما يرى مؤيدو “مجلس السلام” أنه محاولة كفوءة لإصلاح العجز المزمن في المنظمات الدولية، يعتبر منتقدوه أنه خطوة سياسية محفوفة بالمخاطر تهدد بتفكيك الحد الأدنى من النظام العالمي القائم على التعددية والتوازن.
وفي ظلّ تزايد عدد الأزمات الإقليمية وتعقّد مشهد التحالفات، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى أدوات حقيقية للسلام، لكن من دون المساس بالمؤسسات التي تشكل العمود الفقري للنظام الدولي.
يبقى السؤال الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم: هل يولد من دافوس مشروع سلام جديد أم مسار موازٍ يعيد رسم خرائط القوة في العالم؟
اقرأ المزيد
بوليتيكو: ترامب يضمن ولاية ثالثة… حتى لو غادر البيت الأبيض












