وطن – لم تعد الأزمة بين السعودية والإمارات خلافًا عابرًا بين حليفين.
وفق قراءة السفير الأمريكي السابق في الرياض مايكل راتني، فإن ما يجري اليوم هو أخطر انقسام خليجي منذ عقود بل وقد يكون أعمق من أزمة حصار قطر عام 2017، وأطول زمنًا في طريق الحل.
راتني، الذي خدم أكثر من ثلاثين عامًا في السلك الدبلوماسي الأمريكي وكان آخر منصب له سفيرًا لواشنطن في السعودية، كتب أن الرياض وأبوظبي تمتلكان كل مقومات التحالف… لكنها تحولت paradoxically إلى أسباب صراع مفتوح.
حليفان يملكان الحلم ذاته… ويتصادمان عليه
السعودية والإمارات، كما يشرح راتني، تشتركان في رؤية كبرى:
- إعادة تشكيل الشرق الأوسط كمركز اقتصادي عالمي
- التحول إلى عواصم للذكاء الاصطناعي والطيران والسياحة والتمويل
- تقليص الاعتماد على النفط
- بناء شراكة أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة
- مواجهة إيران والتنظيمات الجهادية
بل حتى في ملف إسرائيل، يشترك الطرفان في قناعة أنها ستصبح جزءًا من الإقليم، وإن اختلفت سرعة التطبيع وشروطه.
لكن هذه القواسم نفسها — يقول راتني — صنعت منافسة شرسة على الدور والزعامة والفرص.
اليمن… لحظة انفجار الخلاف
انفجرت الأزمة علنًا حين سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا على محافظات يمنية كبرى، بينها مناطق ملاصقة للحدود السعودية.
الرياض اعتبرت الخطوة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
تبادلت العاصمتان التصريحات الحادة.
وشُنّت ضربات جوية.
ثم انسحب المجلس الانتقالي لاحقًا وقبل قادته التفاوض في الرياض.
لكن، وفق راتني، الانسحاب لم يُنهِ العداء… بل كشفه فقط.
صراع أعمق من اليمن
يرى الكاتب الأمريكي أن جوهر الأزمة اقتصادي واستراتيجي قبل أن يكون سياسيًا:
- من يستقطب الشركات العالمية؟
- من يقود الطيران الإقليمي؟
- من يتحول إلى مركز المال والسياحة؟
لسنوات كانت الإمارات القوة الاقتصادية الأولى في الخليج.
واليوم تحاول السعودية اللحاق بها بسرعة هائلة.
وهنا بدأ الاحتكاك على النفوذ والفرص.
محمد بن زايد… ومحمد بن سلمان: من الإرشاد إلى التنافس
يشير راتني إلى بعد شخصي لا يمكن تجاهله.
فمحمد بن زايد كان لسنوات مرشدًا سياسيًا لمحمد بن سلمان في بدايات صعوده.
لكن العلاقة تدهورت.
ومع أن النظامين ملكيان، فإن العلاقات الشخصية تنعكس مباشرة على العلاقات بين الدول.
النتيجة:
تحوّل الإرشاد إلى تنافس.
والتحالف إلى شك متبادل.
رؤيتان مختلفتان للشرق الأوسط
السعودية — كما يشرح راتني — تفضّل:
- احتواء الأزمات
- خفض التصعيد
- حماية حدودها
- الحفاظ على نموذج الدولة المركزية
أما الإمارات فاتبعت:
- بسط النفوذ الإقليمي
- بناء شبكات وكلاء محليين
- التدخل في ملفات اليمن والسودان وليبيا
- محاربة الحركات الإسلامية بأي ثمن
وهذا التباين في العقيدة السياسية جعل الصدام حتميًا بمرور الوقت.
أسوأ من أزمة قطر… وأطول زمنًا
يخلص مايكل راتني إلى استنتاج حاسم:
أزمة السعودية والإمارات أعمق من أزمة قطر عام 2017،
لأن تلك القطيعة لم تكن محمّلة بهذا القدر من التنافس الاقتصادي والشخصي والأيديولوجي.
أزمة قطر احتاجت ثلاث سنوات للحل، وبوساطة كويتية وعُمانية.
أما الانقسام الحالي, يقول راتني
فقد يستغرق وقتًا أطول… إن كان قابلًا للحل أصلًا.
واشنطن تراقب… وتحاول احتواء التصدّع
راتني يدعو الولايات المتحدة إلى العمل بهدوء لإقناع قادة الخليج بأن:
- الانقسام يخدم إيران
- الصراع يستنزف الطموحات
- التعاون يصنع الاستقرار
لكن القرار النهائي — كما يؤكد — سيبقى خليجيًا، وبإيقاع خليجي.
الخلاصة
حين تتصارع العاصمتان الأغنى والأقوى في الخليج،
فإن المنطقة كلها تدخل زمن اختبار طويل…
لا تُعرف نهايته بعد.
المصدر:
مقال رأي لمايكل راتني
السفير الأمريكي السابق لدى المملكة العربية السعودية
حاليًا مستشار أول في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)
اقرأ أيضاً:
تصاعد التوتر بين الإمارات والسعودية بعد فضيحة مطار الريان في حضرموت
النفوذ الإماراتي في البحر الأحمر والمتوسط واختبار العلاقات السعودية الإماراتية
حين انفجر التحالف الذهبي: السعودية والإمارات من غرفة واحدة إلى حافة المواجهة












