وطن-في خضم تصاعد الجدل حول أساليب وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) في تنفيذ عملياتها، كشف تقرير صحفي في 21 كانون الثاني/يناير 2026 عن مذكرة داخلية مسرّبة من الوكالة، تفيد بإمكانية دخول ضباط الهجرة إلى المنازل دون الحصول على إذن قضائي. التقرير، المستند إلى وثائق حصل عليها مُبلّغ من داخل الوكالة، وصف القرار بأنه انقلاب واضح على الإرشادات القانونية التي طالما صانت حدود التفتيش التي يفرضها الدستور الأميركي.
انتهاكٌ لمبدأ دستوري راسخ
ينص التعديل الرابع للدستور الأميركي على حماية الأفراد ومساكنهم وممتلكاتهم من التفتيش أو المصادرة غير المبررة، إذ لا يُجيز القانون أي مداهمة إلا بموجب أمر قضائي صادر عن قاضٍ بعد توفر “سبب محتمل” مبرر. هذه القاعدة التي أرساها الدستور منذ تأسيس الجمهورية كانت بمثابة جدار واقٍ ضد تعسف السلطة التنفيذية.
من جهته، أوضح الرئيس الحالي لكلية ديكنسون، القاضي الفيدرالي السابق جون إي. جونز الثالث — الذي عُيّن في منصبه القضائي عام 2002 بترشيح من الرئيس جورج بوش الابن وموافقة بالإجماع من مجلس الشيوخ — أن المذكرة تعني “قلباً لمفهوم الحماية الدستورية رأساً على عقب”، مضيفًا أن القانون الأميركي عبر تاريخه لم يستثنِ أحداً من تلك الحماية، سواء كانوا مواطنين أم غير مواطنين.
وثيقة داخلية تُثير الصدمة
سمحت المذكرة التي حملت توقيع القائم بأعمال مدير وكالة ICE، تود لايونز، بتاريخ 12 أيار/مايو 2025، للضباط بدخول منازل أشخاص محددين دون إذن قضائي أو موافقة صاحب المنزل، حتى في غياب ظروف طارئة. ويمثل هذا القرار، وفق خبراء قانونيين، خروجًا صريحًا عن الأطر التي تنظّم تنفيذ الأوامر الإدارية داخل الوكالات الفيدرالية.
الفرق بين الإذن الإداري والإذن القضائي
يوضح جونز أن ما يسمى “إذنًا إداريًا” لا يتجاوز كونه ورقة داخلية تصدرها الوكالة نفسها تأمر فيها ضباطها بتنفيذ اعتقال ما. فهي ليست خاضعة لمراجعة قضائية، ولا تستند إلى مبدأ “السبب المحتمل” المعتمد في القانون الأميركي. أما الإذن القضائي، فيصدر عن قاضٍ اتحادي محايد — سواء قاضٍ جزئي أو فيدرالي — بعد التحقق من وجود مبررات قانونية كافية لدخول منزل شخص ما أو توقيفه.
ويضيف الخبير القانوني أن غياب المراجعة القضائية يلغي جوهر التعديل الرابع القائم على وجود سلطة محايدة تفصل بين سلطة القانون وشرعية التنفيذ، مشيرًا إلى أن الإذن الإداري “لا يمثل أكثر من ورقة ذاتية الصياغة تخدم مصلحة الجهة المُنفذة”.
جذور الحماية الدستورية
تاريخًا، استُحدث التعديل الرابع لحماية المواطنين من ممارسات التاج البريطاني الذي كان يجيز لجنوده اقتحام المنازل ومصادرة الممتلكات دون سبب. ومن هنا وُلد مبدأ “المنزل قلعة صاحبه”، الذي يُعد من ركائز الخصوصية الفردية في الولايات المتحدة. ومع تطور التقنيات الحديثة — من الهواتف المحمولة إلى التتبع عبر الأقمار الصناعية — توسع نطاق الحماية ليشمل الفضاءات الشخصية الرقمية، وليس البيوت وحدها.
في ستينيات القرن الماضي، خاضت المحكمة العليا معارك قضائية لإرساء هذا المفهوم في مواجهة التنصت دون إذن، وأقرت أن الخصوصية تشمل المكالمات الهاتفية، وهو مبدأ امتد لاحقًا إلى وسائل التكنولوجيا الأخرى.
ثغرات وإنذارات
في الحقيقة، قد تبدو الانتهاكات المحتملة للتعديل الرابع، كما يشير القاضي جونز، غير قابلة للإصلاح في بعض الحالات، إذ حتى لو كان الاعتقال باطلاً قانونًا، فإن السلطات تكون قد نفذت فعلها بالفعل. ويُخشى أن تنتهي القضية بإبعاد الموقوفين دون أي وسيلة فاعلة لتعويض انتهاك حقوقهم الدستورية.
ورغم وجود استثناءات محدودة كحالات الطوارئ أو موافقة صاحب المنزل، فإن الاتجاه العام في القضاء الأميركي كان — عبر عقود — نحو تعزيز الحماية لا الانتقاص منها. لذا يرى الخبراء أن السماح للوكالة بالدخول إلى المنازل استنادًا إلى أوامر إدارية فقط، يمثل سابقة خطيرة تضعف الثقة في سيادة القانون.
حماية الخصوصية ليست ترفًا
القضية التي أثارتها المذكرة لا تتعلق فقط بمهاجرين أو بإجراءات الترحيل، بل بجوهر العلاقة بين المواطن والدولة، وبالحق الإنساني في الأمان داخل المسكن. فالتعديل الرابع، وإن وُضع منذ أكثر من قرنين، يبقى شاهدًا على أن احترام الخصوصية ليس رفاهية قانونية بل شرط أساسي لحماية الكرامة الإنسانية في أي نظام ديمقراطي.
اقرأ أيضاً
نهاية كابوس في مينيسوتا: عودة طفلة انتزعتها “ICE” من والدتها ونقلتها إلى تكساس قسراً
رحلة علاج تحولت إلى احتجاز: عائلة فنزويلية تواجه مصيرًا مجهولًا في الولايات المتحدة












