وطن-قد يظنّ المسافر أن كلمات الترحيب التي يتلقاها عند دخوله الطائرة ليست سوى جزء من المجاملة، لكن ما يجري في تلك اللحظات الأولى يتجاوز بكثير طابع الضيافة. فبينما يتوجه الركاب إلى مقاعدهم ويضعون حقائبهم في الخزائن العلوية، يكون طاقم الطائرة منشغلاً بمهمة دقيقة لا تمسّ الخدمة فقط، بل ترتبط مباشرة بأمن وسلامة الجميع على متن الرحلة.
ففي عالم الطيران، يتلقى أفراد الطاقم تدريباً خاصاً على مراقبة سلوكيات الركاب ورصد إشارات محددة منذ لحظة الصعود إلى الطائرة. من أهم ما يبحثون عنه ما يُعرف في لغة الطيران بـ”الركاب القادرين على المساعدة في الطوارئ”، ويُشار إليهم اختصاراً بـ ABPs، أي الركاب القادرين جسدياً والمستعدين لتقديم العون إذا حدث طارئ أثناء الرحلة.
مهمة غير مرئية لحماية الجميع
يُعدّ تحديد هؤلاء الركاب جزءاً أساسياً من مهام الطاقم، إذ يمكن الاستعانة بهم في مواقف تستدعي سرعة التصرف أو قوة بدنية أو قدرة على ضبط النفس. وعلى الرغم من أن أفراد الطاقم مدرَّبون على إدارة جميع أنواع الطوارئ، فإن وجود أشخاص مستعدين للمساعدة يمكن أن يحدث فرقاً حاسماً في أوقات الأزمات.
تُعرّف منظمة الطيران المدني الدولي هؤلاء الركاب بأنهم الأشخاص الذين يختارهم أفراد الطاقم للمساعدة في إدارة الحالات الطارئة إذا لزم الأمر. والمعيار هنا لا يقتصر على اللياقة الجسدية، بل يتجاوزها إلى الاستعداد النفسي، والقدرة على تنفيذ التعليمات تحت الضغط.
من هم الركاب الأنسب للمساندة؟
غالباً ما يكونوا المرشحون المثاليون من أصحاب الخبرات الميدانية؛ مثل رجال الإطفاء، وأفراد الشرطة، والجنود، وأطقم الطيران في إجازاتهم، إضافة إلى الأطباء والممرضين والمسعفين. كما يمكن أن يلفت انتباه الطاقم أحد الركاب الذين تبدو عليهم اللياقة الجسدية أو الذين يرتدون ما يوحي بانتمائهم إلى مهنة طارئة أو أمنية.
وفي كثير من الأحيان، يبادر بعض هؤلاء الأشخاص بالتعريف بأنفسهم للطاقم قبل الإقلاع، موضحين استعدادهم للمساعدة في حال وقوع طارئ، وهو ما يقدّره أفراد الطاقم بشدة لأنه يسهّل تنظيم الأدوار عند الحاجة.
في مواقف الطوارئ: الأدوار تتبدل بسرعة
عند الجلوس في صفوف مخارج الطوارئ، يتلقى الركاب عادة تعليمات تشغيل هذه المخارج قبل الإقلاع. غير أن طاقم الطائرة قد يعيد توزيع بعض المقاعد في حال توقع طارئ، بحيث يجلس الأشخاص القادرون على المساعدة في تلك المواقع لتأمين عملية الإخلاء السريع.
وفي حالات أكثر خطورة، يُكلف الركاب القادرون بمهام معينة مقدماً، مثل فتح أبواب الطوارئ، أو تشغيل المزلقات الهوائية، أو مساعدة الركاب الآخرين على مغادرة الطائرة، أو توجيههم إلى نقاط تجمع آمنة بعد الإخلاء.
ولا يقتصر الأمر على الحوادث التقنية أو الطبية، فبعض المواقف على متن الطائرة قد تتعلق بسلوكيات عدائية من قِبل أحد الركاب. في مثل هذه الحالات، يحتاج الطاقم أحياناً إلى دعم من محترفين لاحتواء الموقف، إذ يمكن أن تكون سرعة السيطرة على الاضطراب عاملاً حاسماً في منع تفاقم الخطر.
سلامة جماعية تبدأ بالملاحظة
قد لا يدرك المسافر أن المضيف الذي يحييه بابتسامة هو نفسه من يقيّم قدرته على التعامل مع الطوارئ خلال لحظات معدودة، مستخدماً خبرته في قراءة الوجوه وردود الفعل. هذه الملاحظات السريعة تساعد الطاقم على تكوين خريطة بشرية دقيقة داخل المقصورة — من يمكن الاعتماد عليه، ومن ينبغي طمأنته أو مراقبته عن قرب.
وعلى الرغم من أن حالات الطوارئ نادرة، فإن الاستعداد لها جزء لا يتجزأ من ثقافة الطيران. وكما يروي أحد أفراد الطاقم الذين أمضوا سبعة أعوام في الخدمة، فإن معرفة أن هناك ركاباً جاهزين لتقديم المساعدة كانت تمنحه شعوراً إضافياً بالأمان طوال الرحلة، حتى وإن لم يحتج إلى الاستعانة بأحدهم يوماً.
تبدأ السلامة الجوية قبل إقلاع الطائرة عند لحظة الترحيب الأولى، أي عند باب المقصورة. فبينما يرى المسافر في ابتسامة المضيف مجرّد لفتة ود، يدرك الطاقم أنها الخطوة الأولى في منظومة دقيقة تُمزج فيها الحفاوة بالمسؤولية. وفي عالم لا يُترك فيه شيء للمصادفة، يصبح كل راكب محتمل جزءاً من شبكة الأمان التي تحافظ على حياة الجميع في الأجواء.
اقرأ المزيد
أسرار الأمن الجوي: 5 علامات تكشف وجود حارس أمن متخفٍ على متن الطائرة
كيف تدخل صالات مطارات العالم بدون تذكرة درجة أولى؟ 15 طريقة مجربة لعام 2026
هل أنت ‘راكب مزعج’ دون أن تدري؟ 10 قواعد جديدة لإتيكيت الطيران في 2026












