وطن-في الوقت الذي تمضي فيه السعودية قُدمًا في تنفيذ خططها الاقتصادية الطموحة ضمن “رؤية 2030″، تتجه الأنظار مجددًا إلى إحدى ركائز اقتصادها التقليدية: العائلات الثرية التي شكّلت لعقود العمود الفقري للقطاع الخاص في المملكة. ومع تصاعد الحاجة إلى تمويل مشاريع ضخمة وتنوّع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط، تتسع دائرة الجهود الحكومية لاجتذاب رؤوس الأموال المحلية، بما في ذلك ثروات العائلات المعروفة في عالم الأعمال.
تحرك واسع لتوسيع قاعدة التمويل المحلي
خلال الأسابيع الماضية، استضاف صندوق الاستثمارات العامة لقاءً خاصًا على ساحل البحر الأحمر جمع عددًا من أبرز العائلات السعودية وشخصيات من القطاع الخاص بهدف مناقشة فرص التعاون في استثمارات مستقبلية. اللقاء، الذي جرى في أجواء محدودة التداول، ناقش سبل الشراكة بين هذه المجموعات والجهات الحكومية لتمويل المرحلة التالية من التحول الاقتصادي، في ظل سعي المملكة لتخفيف الضغط عن الميزانية العامة.
بالتوازي، كثّفت وزارة الاستثمار ومؤسسات مالية حكومية اتصالاتها بمكاتب العائلات ومديري الثروات المحليين لتعزيز مساهمة رؤوس الأموال الوطنية في جذب الاستثمارات العالمية. وتشير تقديرات مطلعين إلى أنّ هذه الجهود تُركّز على تحويل العائلات السعودية إلى شريك محوري في المشاريع الكبرى، وليس مجرد مساهم ثانوي.
خلفية اقتصادية محفّزة للتغيير
تأتي هذه التحركات في وقت تحاول فيه الرياض التعامل مع تداعيات إنفاق مرتفع في السنوات الأخيرة وتراجع إيرادات النفط مقارنة بالتوقعات، إلى جانب تشدد شروط الإقراض في السوق المحلية. هذه المعطيات دفعت الحكومة إلى مراجعة جداول بعض مشاريعها، منها تأجيل دورة الألعاب الآسيوية الشتوية إلى ما بعد عام 2029، وتقليص الإنفاق على بنود أخرى من برامج التحول الاقتصادي.
وبينما تسعى المملكة لإيجاد بدائل تمويل جديدة، بما في ذلك اتفاقات قروض نادرة على المستوى السيادي، بدأت المؤسسات المحلية بتنمية اهتمامها بمكاتب العائلات التي تدير أصولًا تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات.
العائلات.. ثقل اقتصادي ينتقل بين الأجيال
أيَث المبارك، الرئيس التنفيذي للمركز الوطني للمنشآت العائلية في الرياض، أوضح أن نحو 95% من الشركات الخاصة في المملكة مملوكة لعائلات، وأن ثرواتها تشكّل عنصرًا رئيسيًا في دعم التنمية. ومع توسع هذه المجموعات، بدأ العديد منها بإنشاء مكاتب استثمار عائلية لتأطير إدارة الثروة وضمان استدامتها عبر الأجيال، ما يجعلها هدفًا رئيسيًا لفرص استثمارية جديدة في قطاعات واعدة مثل التعدين والذكاء الاصطناعي.
ويشير المبارك إلى أنّ هذه الكيانات بطبيعتها تميل إلى تنويع الاستثمارات والمشاركة في مجالات لم تُستكشَف بعد بالشكل الكافي، وهو ما يتماشى مع توجهات المملكة نحو اقتصاد أكثر تنوعًا.
مشهد مالي متغير وتحديات في الإقراض
في المقابل، بدأ القطاع المصرفي يشعر بضغط متزايد نتيجة ارتفاع الطلب على التمويل، ما أفسح المجال أمام أدوات تمويل بديلة مثل “الائتمان الخاص”، وهو قطاع لا يزال في مراحله الأولى في السعودية. ومع تقلص قدرة البنوك على الإقراض بالوتيرة السابقة، برزت فرص جديدة أمام العائلات الثرية التي تمتلك سيولة كبيرة للدخول في شراكات استثمارية أو تأسيس صناديق تمويل خاصة.
سارعت شركات عالمية كبرى مثل KKR وAres Management، إلى تعزيز وجودها في السوق السعودية، فيما تعمل شركة جدوى للاستثمار المدعومة حكوميًا على جمع ما يصل إلى 200 مليون دولار لصندوقها الرئيسي للائتمان الخاص. كما شهدت شركات محلية مثل رويا بارتنرز اهتمامًا متزايدًا من مكاتب العائلات السعودية الراغبة في التوسع في هذا القطاع.
فرص جديدة في رأس المال الجريء والعقار
لا يقتصر الاهتمام على التمويل التقليدي، فقد وجّهت بعض المكاتب العائلية تركيزها نحو الاستثمار في الابتكار والتقنيات الناشئة، بينما يسعى آخرون إلى دعم الشركات الناشئة في مراحل النمو المتقدمة من خلال ضخ تمويل خارجي. ويبقى العقار جزءًا أساسيًا من محافظ الاستثمار، خاصة مع انفتاح السوق السعودية على المطورين الأجانب الباحثين عن شركاء محليين.
عقبات تنظيمية ومساعٍ لتيسير الاستثمارات
رغم الزخم، ما تزال التحديات قائمة. فالتشريعات الخاصة بإدارة المكاتب العائلية تحتاج إلى مزيد من المرونة، مع استمرار المخاوف حيال سهولة تحويل الأموال وإجراءات الاستثمار المشترك مع الشركاء الأجانب. وتتناول النقاشات الحكومية مع ممثلي هذه الأسر سُبل تذليل تلك العقبات وتوسيع قاعدة المستثمرين لتشمل أيضًا العائلات الصغيرة التي تمتلك رؤوس أموال غير موظّفة بعد.
ويؤكد عباس هاشمي، الشريك في Saudi Family Holdings، أنّ الجهود الحالية لم تعد تقتصر على استقطاب أكبر المستثمرين، بل باتت تشمل أيضًا العائلات الأقل شهرة التي تمتلك ثروات خاملة لم تجد طريقها إلى السوق.
ختام
في خضم هذه التحولات، يبدو أن الثروة العائلية السعودية أمام لحظة مفصلية. فالمملكة التي تبني اقتصادًا جديدًا على أسس التنويع والانفتاح تراهن على مواردها البشرية والمالية المحلية، لتصبح الشراكة بين الدولة والعائلات ورجال الأعمال أحد محركات النمو خلال العقد المقبل. وبين تحديات التمويل وفرص الاستثمار، تتبلور ملامح مرحلة جديدة يستند فيها اقتصاد السعودية إلى قدر أكبر من الاعتماد على ذاته.
اقرأ المزيد
الكونغرس يرفع الصوت ضد استحواذ السعودية على EA
منتجع ميرافال البحر الأحمر في السعودية 2026 تجربة فاخرة للبالغين فقط ضمن رؤية 2030












