وطن-في زمنٍ تُقاس فيه السعادة بعدد الابتسامات في الصور، تراجعت مكانة الحزن حتى صار يُعامل كخطأ ينبغي تصحيحه. غير أن علماء النفس يحذرون من هذا الفهم السطحي للمشاعر، مؤكدين أن الحزن ليس خصمًا للإنسان، بل جزء من آلياته الفطرية في التكيف والنمو.
يقول الطبيب النفسي خوسيه لويس مارين إن الحزن «عاطفة ثمينة»، تذكّرنا بإنسانيتنا، وتمنحنا مساحة للتأمل وإعادة ترتيب الأولويات. ويوضح أن المجتمع الحديث شوّه معناها حين جعل الفرح معيارًا إلزاميًا للحياة الناجحة. فمجرد أن يعبّر أحدهم عن حزنه، تنهال عليه النصائح الجاهزة: “ابتسم”، “انظر إلى الجانب المشرق”، وكأن الحزن عيب يجب محوه بسرعة. هذه الثقافة، كما يصفها مارين، تحوِّل المشاعر الطبيعية إلى علامات ضعف، وتؤدي إلى “تجريم الوجع الإنساني”.
مشاعر لها وظيفة وليست خللاً
يرى مارين أن العواطف ليست اضطرابات مزاجية، بل أدوات فطرية تطورت عبر التاريخ لحماية الإنسان. فالحزن، بخلاف ما يُعتقد، يدفع إلى التريث والتفكير ويقلل من السلوكيات المتهورة، كما يعزز الترابط الاجتماعي لأن البكاء –مثلاً– هو طلب للمساندة. “حين نسمح لأنفسنا بالشعور بالحزن، نبدأ بمعالجة الألم لا بإخفائه”، يقول مارين في حديثه عبر قنواته الإلكترونية.
ويشير الطبيب إلى أن اضطرابات المزاج مثل الاكتئاب تختلف جوهريًا عن مشاعر الحزن العابرة. فالاكتئاب حالة مرضية تتسم بامتداد الإحساس بالحزن لأسابيع عدة، ترافقه صعوبات في النوم وفقدان الاهتمام بالحياة اليومية. أما الحزن الطبيعي، كذاك المصاحب للفقد أو الفشل، فهو جزء من التجربة الإنسانية لا يحتاج إلى “علاج”، بل إلى تفهّم ودعم.
“هَبِّيوقراطية” السعادة الزائفة
ينتقد مارين ما يسميه “هَبِّيوقراطية” أو “حكم السعادة”، وهو المفهوم الذي يفرض إظهار البهجة بلا انقطاع، تغذّيه ثقافة الاستهلاك ومنصات التواصل. ويقول إن الفكر الإيجابي المفرط يغرس فكرة مضللة مفادها أن الإنسان الناجح ينبغي أن يكون سعيدًا دائمًا، ما يؤدي إلى ما أسماه باحثون مثل إدغار كاباناس وإيفا إيلوز بـ “الديكتاتورية النفسية للرفاه”. ويصف هؤلاء العلماء الظاهرة بأنها “إيجابية سامة” تُقصي المشاعر المؤلمة وتستبدلها بعبارات تحفيزية سطحية، على حساب الوعي النفسي الحقيقي.
ضرورة التمييز والفهم المتزن
يحذر مارين من الخلط بين “المزاج الحزين” و”الاضطراب الاكتئابي”، مؤكدًا أن التباس المفهومين قاد أحيانًا إلى الإفراط في وصف مضادات الاكتئاب، حتى في تجارب إنسانية طبيعية كالحزن على الفقد. ويشدد على أن الطب النفسي المعاصر بحاجة إلى إعادة تعريفٍ للعافية النفسية، يراعي التوازن بين العقل والجسد والسياق الاجتماعي، لا الاقتصار على العلاج الدوائي.
الفرح ليس مرادفًا للسعادة
وفيما يخص مفهوم السعادة، يوضح الطبيب أن الفرح عاطفة أخرى تشبه الحزن في كونها مؤقتة، لا يمكن استمرارها إلى ما لا نهاية. “البهجة لحظة شعورية، وليست حالة دائمة”، يقول مارين، مضيفًا أن اختزال السعادة في النشوة المستمرة أمر غير واقعي، بل قد يشير في بعض الحالات إلى اضطراب نفسي. فالسعادة الحقيقية –من وجهة نظره– تكمن في الطمأنينة، لا في النشوة العابرة.
الترابط الإنساني أساس العافية
هذا المنحى يؤكده أيضًا الطبيب النفسي لويس روجاس ماركوس، الذي يرى أن تجاوز مصاعب الحياة يعتمد بدرجة كبيرة على الروابط العاطفية والدعم الاجتماعي. وقد دعمت نتائج دراسة طويلة لجامعة هارفارد هذا التوجه، إذ أثبتت أن العلاقات الإنسانية القوية تشكل أحد أهم العوامل المرتبطة بالسلام النفسي وطول العمر.
في النهاية، لا يدعو الأطباء إلى تمجيد الحزن، بل إلى استعادته في مكانه الصحيح كإشارة إنسانية للانتباه والرحمة بالذات. فالحياة لا تُقاس بعدد لحظات الفرح، بل بقدرتنا على التعايش مع مختلف المشاعر بصدق واتزان.
قد يعجبك
رحلة تقدير الذات: كيف يؤثر سوء التعامل مع النفس في صحتنا العقلية؟
كيف نصنع سعادتنا في عام 2026؟رحلة تبدأ بسؤال واحد قد يغيّر عامك للأفضل
هل السعادة في منتصف العمر وهمٌ علمي؟ دراسات جديدة تعيد رسم خريطة الرضا عبر مراحل الحياة












