وطن-في موسم المندرين الذي يملأ الأسواق بألوانه الزاهية ونكهته المنعشة، قد يظن محبو هذه الفاكهة الشتوية أنهم يتبعون أسلوبًا صحيًا عند تناولها. غير أن عادة بسيطة أثناء تقشيرها قد تحرم أجسامنا من أكثر أجزائها فائدة. فما إن ننزع تلك الخيوط البيضاء الملتصقة بالفصوص، حتى نفقد عنصرًا غذائيًا ثمينًا لا يقل أهمية عن اللب نفسه.
خطأ شائع يرتكبه الجميع دون إدراك
يحذر أطباء تغذية من أن التخلص من الخيوط البيضاء الدقيقة في المندرين —والمعروفة علميًا باسم “الألبيدو”— يمثل خطأً غذائيًا متكررًا. ويقول الطبيب مانويل فيسو إن هذه الطبقة ليست جزءًا من القشرة الخارجية كما يعتقد كثيرون، بل تحتوي على تركيز مرتفع من الفيتامينات والمعادن. ويضيف موضحًا أن “إزالة الألبيدو يعني ببساطة نزع ما يشبه الأوعية المغذية للثمرة”، مشيرًا إلى أن نسبة فيتامين C فيها تفوق ما يوجد في اللب ذاته.
الغنى بالمركبات المفيدة
من جانبها، تؤكّد الاختصاصية في التغذية ميغيلينا أمّارو، أن هذه الخيوط ليست مجرد ألياف ليفية بلا قيمة، بل تمثل الجزء الأكثر فائدة من الفاكهة. فهي غنية بمركبات فينولية تفوق محتواها في اللب بعشرين مرة، وتشمل مجموعة من الفلافونويدات ذات تأثير مضاد للأكسدة والالتهاب، تساعد خلايا الجسم على مقاومة الشيخوخة وحماية القلب والأوعية الدموية.
ومن بين تلك العناصر، تبرز الهسبريدين، التي أظهرت دراسات قدرتها على المساعدة في ضبط ضغط الدم وتعزيز صحة الجهاز القلبي. كما تحتوي الألبيدو على نسبة عالية من الألياف القابلة للذوبان، أبرزها “البكتين”، الذي يسهم في خفض الكوليسترول الضار (LDL) وتنظيم مستويات السكر بعد الوجبات.
تكرار الخطأ نفسه مع الموز
ولا يقتصر هذا السلوك على المندرين وحده، إذ يشير الطبيب فيسو إلى أن كثيرين يزيلون أيضًا الخيوط الدقيقة الملتفة حول ثمار الموز. وفي هذه الحالة، يقول الأخصائي إن تلك الخيوط غنية بمادة التريبتوفان، وهي الحمض الأميني الذي يشارك في إنتاج السيروتونين، الهرمون المرتبط بتحسن المزاج والشعور بالراحة. كما تحتوي هذه الأنسجة على معادن مهمة مثل المغنيسيوم والبوتاسيوم، إلى جانب مضادات أكسدة وفيتامينات تدعم الأداء العصبي والعضلي.
وعلى الرغم من أن كمية العناصر في تلك الأجزاء ليست كبيرة مقارنة ببقية الثمرة، إلا أن الخبراء يرون أن الحفاظ عليها يمنح الجسم فائدة إضافية دون أي عناء. تجربة تناول المندرين أو الموز مع خيوطهما البيضاء —كما ينصح المختصون— تكشف أن طعمها لا يتغير تقريبًا، بينما تزداد قيمتها الغذائية بشكل لافت.
حقيقة المندرين وفكرة “مقاومة الزكام”
مثلها مثل البرتقال، ارتبطت المندرين طويلاً بفكرة أنها “تعالج نزلات البرد”، وهو تصور شائع لا تؤيده الأدلة العلمية الحديثة. فالفيتامين C الذي تحتويه لا يُعد علاجًا مباشرًا للزكام، لكنه يساهم في دعم الجهاز المناعي وتحسين امتصاص الحديد، ما يعزز قدرة الجسم على مقاومة العدوى الفيروسية.
إضافة إلى ذلك، فإن اجتماع فيتامين C مع الفلافونويدات يوفّر حماية للبشرة ويساعد على تجديد الأنسجة والحفاظ على مرونتها ومتانتها. لذلك، فإن تناول المندرين بانتظام يُعد خطوة مفيدة ضمن نظام غذائي متوازن، وليس علاجًا بحد ذاته.
الفاكهة الصغيرة التي تمنح طاقة كبيرة
تشير معطيات منظمة الصحة العالمية إلى أن تناول ثمارتين من المندرين —أي نحو 200 غرام— يمدّ الجسم بنحو 3.5 غرام من الألياف، وهي كمية تمثل جزءًا من الاحتياج اليومي الموصى به والبالغ 25 غرامًا. وتساعد الألياف في تحسين عملية الهضم، وتنظيم الشهية، والحفاظ على مستويات الطاقة خلال اليوم.
في عالم تتزايد فيه النصائح الغذائية وتتنوع فيه الحميات، قد يكون السر أحيانًا في التفاصيل البسيطة التي نهملها دون قصد. لا ضرر إن بقيت بعض الخيوط البيضاء على فصوص المندرين أو الموز، بل على العكس، هي إضافة صغيرة لكنها ثمينة لصحتنا اليومية. الاحتفاظ بها خطوة سهلة، وقد تُحدث فرقًا في تزويد الجسم بما يحتاجه من مضادات أكسدة وألياف وفيتامينات، ليبقى الغذاء الطبيعي كما أرادته الطبيعة: كامل الفائدة، لا مجرّد طعم لذيذ.
اقرأ المزيد
السمسم الأسود يشعل تيك توك: هل يوقف تساقط الشعر فعلاً أم خدعة جديدة
طعام شائع يسرع انسداد الشرايين دون أن نشعر
الهرمونات ومستقبل صحتك.. دليلك لفهم الغدد المتحكمة في نشاطك اليومي












