وطن-تطفو على السطح قضية التلوث البلاستيكي كلما اشتدت الكارثة في البحار والمحيطات، حيث تختنق الأسماك والسلاحف بين أكياس البلاستيك العائمة. غير أن مأساة جديدة بدأت تتكشف في عمق اليابسة هذه المرة، بعد أن اكتشف باحثون كتلًا ضخمة من البلاستيك داخل بطون جِمال نافقة في دولة الإمارات، لينتقل النقاش من سواحل المحيطات إلى قلب الصحراء.
كارثة غير متوقعة في الصحراء
بدأت القصة عندما لاحظ فريق علمي يضم عالم البيئة الأميركي ماركوس إريكسن —المتخصص في قضايا التلوث في ولاية كاليفورنيا— والطبيب البيطري والميكروبيولوجي أولريخ فيرنري المقيم في الإمارات، ظاهرة غريبة أثناء تشريح جِمال نافقة. وفي دراسة حملت عنوان “مأساة الجِمال التي تلتهم نفايات البلاستيك”، كشف الباحثان عن وجود كتل صلبة ضخمة داخل معدة هذه الحيوانات، يتراوح حجم الواحدة منها بين كرة السلة وحقيبة السفر، وهي التي قالا إنها تتسبب في نحو 1% من وفيات الجمال في الإمارات.
وصف إريكسن، أول عملية تشريح أجراها بأنها “تجربة سريالية لا تُصدَّق”، موضحًا أن الإبل في بيئة الصحراء تعتمد على غريزة بسيطة: “كل ما ليس رملاً قد يكون طعامًا”، لذا تلتقط أكياس البلاستيك العالقة بالأشجار أو الأسوار معتقدة أنها نبات صالح للأكل.
كيف يقتل البلاستيك الجمال؟
تبتلع الجِمال هذه الأكياس والعبوات لتظل عالقة داخل أجهزتها الهضمية، مكوّنة ما يسمى بـ”البوليبزوار” —كتل بلاستيكية متصلبة— تعيق مرور الطعام وتسبب جروحًا عميقة داخل المعدة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الكتل إلى بيئة مثالية لتكاثر البكتيريا، فتسبّب التهابات وتسمّمات تُنهي حياة الحيوان ببطء شديد.
يصف إريكسن العملية بأنها “موت بطيء مؤلم”، قائلاً: تخيّل أن تحمل في جسدك خمس أكياس بلاستيكية، وعددًا من أغطية الزجاجات والقشات، تبقى هناك لسنوات. المعاناة لا تنتهي حتى الموت، وهذا تمامًا ما تواجهه الجِمال في الصحراء.
ظاهرة تمتد إلى ما هو أبعد من الرمال
ولا تقتصر المشكلة على الإبل وحدها؛ فآثار النفايات البلاستيكية تمتد إلى كائنات أخرى في مناطق مختلفة من العالم. ففي ولاية كولورادو الأميركية، اضطر مختصون إلى إنهاء حياة دب مريض بعد أن كشفت الفحوص وجود كُتل من البلاستيك داخل جهازه الهضمي. كما سُجّل في سريلانكا نفوق فيلين بعد ابتلاعهما قطعًا من النفايات البلاستيكية التي كانت متناثرة قرب مكبٍّ للنفايات.
بوادر أمل وسط التلوث المتزايد
وعلى الرغم من أن عدد ضحايا التلوث البلاستيكي في ازدياد، إلا أن بعض الدول بدأت تتخذ خطوات عملية للحَدّ من الكارثة. فقد حظرت كندا استخدام المواد البلاستيكية أحادية الاستعمال منذ عام 2021، بينما اتخذت ولايات أميركية مثل ماساتشوستس إجراءات مشابهة للحد من تداول تلك المنتجات.
ويؤكد الخبراء أن التغيير يبدأ من السلوك الفردي اليومي، من خلال تجنّب الاستعمال المفرط للبلاستيك والتوجه إلى البدائل الصديقة للبيئة كالقوارير القابلة لإعادة الاستخدام. كما يشددون على أهمية الوعي بطرق الفرز وإعادة التدوير الصحيحة لضمان تقليل النفايات التي قد تستقر في الطبيعة أو بطون الكائنات الحية.
قصة الجِمال التي اختنقت في رمال الصحراء ليست مجرد حكاية محلية، بل إنذار كوني ينبه إلى حجم الكارثة البيئية التي نصنعها بأيدينا. فكل كيس بلاستيك يُترك في العراء قد يتحول إلى أداة قتل لكائن بري يبحث عن لقمة غذاء وسط بيئته الطبيعية. حماية الكوكب تبدأ من سلة المهملات في منازلنا، ومن وعي يُدرك أن الاستهلاك غير المسؤول قد يبدّل ملامح الحياة على الأرض بأكملها.
قد يعجبك
أغرب حالة ولادة: عاملة تنجب طفلها “فجأة” وسط زملاء العمل!
رحلة عبر الزمن على متن “فينيس-سيمبلون أورينت إكسبريس”: حين يتحوّل السفر إلى تجربة فنية شتوية












