وطن-تشهد المنطقة الخليجية مرحلة جديدة من التوترات السياسية، بعد أن تحولت الشراكة المعلنة قبل أعوام بين السعودية والإمارات إلى سباق نفوذ تتقاطع خيوطه في اليمن والسودان وليبيا، وتمتد آثاره حتى واشنطن. ويأتي ذلك في وقت يلتزم فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض، صمتًا نادرًا مقارنة بتدخله الصريح في أزمات سابقة.
من خلافات الأمس إلى صراع الحلفاء
في عام 2017، وجّه ترامب انتقادات لاذعة لقطر خلال أزمة حصارها، بدفع من الرياض وأبوظبي. اليوم، وبعد نحو عقد، تبدّلت الأدوار؛ إذ انفرط عقد التحالف القديم بين العاصمتين الخليجيتين اللتين تقفان على طرفي نقيض في ملفات إقليمية متشابكة.
ففي مطلع يناير 2026، شنّت السعودية ضربات عسكرية استهدفت فصائل انفصالية جنوب اليمن تُعرف باسم المجلس الانتقالي الجنوبي والمدعوم من الإمارات، مما أدى إلى إخراج تلك القوات من مناطق واسعة في الجنوب والشرق اليمني.
الخصومة لم تتوقف عند حدود الجزيرة العربية، بل امتدت إلى القارة الإفريقية حيث تسعى الرياض إلى دعم الجيش السوداني بالسلاح في مواجهته مع قوات الدعم السريع الموالية لأبوظبي، بينما تعمل بالتنسيق مع القاهرة لإقناع أسرة المشير الليبي خليفة حفتر بقطع صلاتها مع الإمارات ووقف إمداداتها للدعم السريع.
حرب ناعمة في الفضاء الرقمي
الخلاف السياسي والعسكري انعكس أيضاً على الإعلام. فصحف سعودية اتهمت الإمارات بأنها أصبحت “حصان طروادة لإسرائيل في العالم العربي”، في حين يرد كُتّاب ومحللون إماراتيون وإسرائيليون باتهام الرياض بمعاداة السامية والسعي لإضعاف اتفاقات التطبيع، التي تعد من أبرز إنجازات ترامب الخارجية خلال فترته الأولى.
ويؤكد مراقبون أن هذا السباق المحموم لا يتعلق فقط بتنافس إقليمي، بل بمحاولة كل طرف التأثير في إدارة ترامب الجديدة، التي تمثل —كما يرى الطرفان— مفصلًا مهمًا للمصالح الاستراتيجية والاستثمارية في السنوات المقبلة.
مصالح اقتصادية متشابكة
تختلف ظروف اليوم عن عام 2017. فترامب وعائلته باتوا يمتلكون مصالح مالية وتجارية واسعة في الخليج؛ فقد أُعلن في يناير عن مشروعات فندقية فاخرة بتكلفة عشرة مليارات دولار في السعودية، إلى جانب استثمارات أخرى في دبي وقطر وسلطنة عمان، ترتبط جميعها بشركة التطوير السعودية “دار الأركان”.
ويرتبط ترامب بعدد من المستشارين المقربين الذين تجمعهم مصالح مباشرة مع دول الخليج، أبرزهم جاريد كوشنر، الذي تلقى تمويلًا من صناديق استثمار سعودية وإماراتية وقطرية لمؤسسته المالية، والملياردير الأمريكي ستيف ويتكوف، الذي سبق أن عقد صفقات مع قطر وتربطه علاقات وثيقة بمستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد، فضلًا عن توماس باراك، رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية المعروف بقربه من الرئيس السابق.
هذا التشابك المالي يجعل من الصعب على ترامب الاصطفاف بشكل واضح إلى جانب أحد الطرفين، غير أن حجم الاقتصاد السعودي ومكانتها كعضو وحيد في مجموعة العشرين يمنحها أفضلية نسبية في ميزان الحسابات الأميركية.
سباق الاستثمارات والتكنولوجيا
تتنافس كل من الرياض وأبوظبي على استقطاب الاستثمارات الأميركية في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة الحديثة. وقد تعهدت الإمارات بضخ 1.4 تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي، بينما بلغت الالتزامات السعودية نحو تريليون دولار خلال الزيارة الأخيرة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن. ويرى دبلوماسيون أميركيون أن الإدارة الأمريكية تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين الجانبين، نظرًا لضخامة المصالح المتبادلة.
تحوّل في الرؤية الإقليمية
يرى الخبراء أن الخلاف الحالي لا يختصر في تباينات عائلتي الحكم، بل يعكس تحوّلًا أوسع في الرؤية الاستراتيجية لكلي البلدين. فالسعودية تسعى إلى ترسيخ دورها كقائدة للعالمين العربي والإسلامي، عبر توثيق علاقاتها الدفاعية مع باكستان وتركيا وتقديم نفسها باعتبارها محور الاستقرار الإقليمي. أما الإمارات، صاحبة الاقتصاد الأصغر وعدد السكان الأقل، فتركّز على بناء شبكات نفوذ تمتد من إفريقيا والبحر الأحمر إلى شرق المتوسط، وتعتمد على التحالف مع قوى غربية وإسرائيلية لإنجاز مشاريع اقتصادية ولوجستية عابرة للقارات، أبرزها الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بإسرائيل وأوروبا مرورًا بأراضيها.
ملف الصين والحذر الأمريكي
تزايد النفوذ الصيني في الموانئ والمنشآت العسكرية الإماراتية أثار قلق المؤسسات الأمنية الأميركية. فقد رصدت تقارير وجود عناصر عسكرية صينية في قاعدة قرب أبوظبي، ما أدى إلى توتر غير معلن ظل يلقي بظلاله على الزيارات الرسمية بين الجانبين. ويُشار إلى أن زيارة ترامب الأخيرة للمنطقة تضمنت استقبالًا حافلًا في الرياض والدوحة، مقابل جدول محدود في أبوظبي، وهو ما فُسّر بأنه انعكاس لتلك التحفظات.
البعد الأمني وصورة “الاستقرار”
من زاوية الأمن الإقليمي، تميل واشنطن إلى رؤية الموقف السعودي باعتباره أكثر انسجامًا مع هدف “الاستقرار”. ويقول الخبير الأمريكي آلان بينو، وهو مسؤول استخباراتي سابق، إن ترامب يفضّل التعامل مع مشهد شرق أوسط هادئ يمكن تركه بأقل قدر من التدخل، مشيرًا إلى أن أولوياته تتركز في ملفي غزة وإيران.
ويرى بينو أن السعودية تقدّم نموذجًا أقرب لرغبة واشنطن في الحفاظ على وحدة اليمن ودعم الحكومة الشرعية في السودان بدل دعم الحركات الانفصالية، مضيفًا: “رغم أن علاقة الإمارات بإسرائيل تمنحها نفوذًا خاصًا، فإن كفة الرياض تبقى الأرجح في حسابات ترامب”.
توازن هش ومصالح متشابكة
وسط هذا المشهد، تبدو المنطقة أمام فصل جديد من إعادة تشكيل التحالفات. فالإمارات تستند إلى شبكة علاقات اقتصادية وأمنية مع الغرب وإسرائيل، بينما تراهن السعودية على عمقها الإسلامي ومكانتها الاقتصادية. أما واشنطن، فتبقى حريصة —بحكم المصالح— على الموازنة بين الطرفين دون الانحياز الصريح لأي منهما.
وعلى الرغم من ملامح التنافس، فإن استقرار المنطقة سيظل مرهونًا بقدرة العواصم الخليجية على إدارة خلافاتها بعيدًا عن الحروب بالوكالة وحملات التشويه الإعلامي، فالتوازن بين الطموح والسياسة هو ما سيحدد معالم الخليج في السنوات المقبلة.
اقرأ المزيد
تقرير حصري: إبستين يلمح إلى تورط ابن زايد في تسريب فيديو مقتل خاشقجي في حديثه مع مستشار ترامب
ابن سلمان يعود إلى البيت الأبيض بعد سبع سنوات مع أجندة جديدة












