وطن-تُظهر تفاصيل قصة انتشرت مؤخرًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي كيف يمكن لتفصيل بسيط — مثل ستارة نافذة الطائرة — أن يتحول إلى قضية نقاش عام تكشف عن تعقيدات تعامل المسافرين مع بعضهم في الفضاء الضيق للرحلات الطويلة.
بدأت الحكاية من مقطع فيديو نشرته صانعة المحتوى “كيلي منغ” على تطبيق “تيك توك”، يوثق واقعة على متن رحلة طويلة نهارية أصرّت فيها راكبة تجلس بجانب النافذة على إبقاء ستارتها الإلكترونية مفتوحة على الرغم من مطالبة الركاب المحيطين بها بإغلاقها بسبب سطوع أشعة الشمس المزعجة. ووفق روايات الركاب، حاول طاقم الطائرة التدخل دون أن يتغير الموقف، لتبقى ستائر النافذة مفتوحة فيما تحولت القصة إلى نقاش واسع على الإنترنت حول سؤال بدا بسيطًا: من يحق له التحكم بستارة النافذة، وما حدود المجاملة في الأجواء؟
المساحة المشتركة… والحق الفردي
أعادت هذه الحادثة إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا شيوعًا في السفر الجوي المعاصر: في بيئة مغلقة تضم عشرات الغرباء، أين تبدأ خصوصية الراكب وأين تنتهي؟ فبينما ترى الراكبة حقها في التحكم بالنافذة جزءًا من الميزات التي دفعت ثمنها، وجد آخرون أن رفضها مراعاة الآخرين يعكس افتقارًا للتعاون في مساحة يتقاسمها الجميع.
وتنوّعت ردود الفعل عبر الإنترنت بين من دافع عن حق من يجلس بجوار النافذة في اتخاذ القرار بشأنها، ومن اعتبر أن الرحلات الطويلة تتطلب قدرًا من المرونة والتفهم. تقول مضيفة الطيران ومبتكرة سلسلة “Jetlagged Comic” كيلي كينكيد إن “المقعد الملاصق للنافذة يمنح صاحبه السيطرة عليها”، لكن تعليقات كثيرة شددت على أن هذا الحق لا يُمارس بمعزل عن الاعتبارات الإنسانية.
السر في المقعد المطل على الخارج
يُظهر العديد من استطلاعات الرأي أن المقعد المفضل لدى المسافرين هو المقعد المجاور للنافذة. نحو 58% من الركاب يختارونه لما يمنحه من خصوصية وإطلالة وقدرة على الاتكاء إلى جانب الطائرة. بينما يرضى 28% فقط بالمقعد الأوسط، وتبقى المقاعد الممرية خيارًا أقل حماسة لمن يسعون للراحة والعزلة.
هذا التفضيل لا يرتبط بالمشهد فقط، بل بالسيكولوجيا أيضًا. فالإحساس بامتلاك مساحة محمية يعزز شعور المسافر بالتحكم والطمأنينة، ما يفسّر تمسك بعضهم بإدارة تفاصيل المقعد، بما في ذلك وضع الستارة. ومع ذلك، تُذكّر دراسات في “آداب الطيران” أن مفهوم الراحة الفردية لا ينفصل عن الراحة الجماعية، وأن كثيرًا من المسافرين — حتى مؤيدي “حق النافذة” — يتوقعون من جيرانهم مرونة أكبر وقت القيلولة أو خلال الرحلات الطويلة. وهنا يولد التوتر، حين تتباين التوقعات حول ما يُعد سلوكًا مهذبًا.
كيف نحافظ على الهدوء في أجواء مضغوطة؟
الخبراء في آداب السفر ينصحون بتبني سلوك استباقي قائم على اللياقة والمراعاة:
- اختيار المقعد بعناية: من يحب الضوء والنافذة فليحجز مقعده المفضل مسبقًا، ومن يحتاج الظلام فالخيار الأفضل هو قناع للعينين لا انتظار توافق ظروف المقصورة مع تفضيلاته.
- التواصل الهادئ المبكر: عبارة ودّية مثل “هل يمكن إغلاق الستارة قليلاً؟ أشكرك” أفضل كثيرًا من نظرات الاستياء أو الطلب الغاضب.
- ضبط النبرة قبل الكلمات: في المساحات الضيقة، طريقة الحديث كثيرًا ما تحدد شكل التفاعل أكثر من مضمون الطلب نفسه.
- البحث عن حلول وسط: يمكن خفض الستارة جزئيًا أو ضبطها في ساعات سطوع محددة بما يرضي الجميع.
- تذكّر الطبيعة المشتركة للمكان: أغلب الخلافات أثناء الرحلات تتلاشى حين يشعر كل طرف أن الآخر استمع إليه.
ما تكشفه القصة عن السفر اليوم
في جوهرها، ليست الحكاية عن شمس نافذة فقط، بل عن واقع السفر الحديث الذي يضع الركاب في مقاعد متقاربة أكثر من أي وقت مضى، مع قدر أقل من الرفاهية ومساحة أكبر للتوتر. هنا تصبح اللياقة سلوكًا وقائيًا، والاحترام طريقة لتجاوز الساعات الطويلة بسلام.
تُذكّرنا هذه الواقعة بأن السفر ليس مجرد حركة بين وجهتين، بل تجربة إنسانية اختبارها الحقيقي في كيفية التعايش أثناء الرحلة. وربما في المرة المقبلة، حين يشتد الضوء في المقصورة، لن نفكر فقط في موقع الستارة، بل فيمن يشاركنا تلك السماء نفسها، وما قد نكسبه من لحظة تفهم بسيطة تجعل الرحلة أخفّ ضوءًا… وأكثر إنسانية.
اقرأ المزيد
سافر بذكاء: 13 طريقة مجربة للحصول على خدمات محلية بأسعار غير سياحية
11 سراً خلف الكواليس: ما الذي لا تريد منك شركات الطيران معرفته؟












