وطن-في خضم تسارع الحياة اليومية وتزايد الضغوط النفسية، لا ينتبه كثيرون إلى أن الإرهاق أو القلق المستمرين قد يكونان في جوهرهما علامة على اضطراب في نظام دقيق بداخلنا، هو الجهاز العصبي. هذا الجهاز الذي يضبط إيقاع طاقتنا ومشاعرنا وقدرتنا على التوازن والتواصل، قد يعلق أحيانًا في ما يشبه “وضع النجاة”، فيستمر في الاستنفار حتى بعد زوال الخطر.
توضح الأخصائية النفسية والمعالجة بالتحليل النفسي مورين ريتشارد أن الجهاز العصبي يعمل عادة بطريقة تلقائية لضبط الاستيقاظ والطاقة والعواطف والتفاعل الاجتماعي. وحين يكون متوازنًا، يتنقل الإنسان بسلاسة بين النشاط والراحة. لكن عندما يختل هذا التوازن، يترنح الجسد والعقل بين أقصى درجات التنبيه أو الانطفاء. وتشير دراسات في مجالات الصدمات النفسية والضغط المزمن والنظرية متعددة الأعصاب (البوليفاغالية) إلى أن الإنسان قد يظل محتجزًا في حالة من الإفراط في التنشيط (التوتر المستمر) أو الهبوط الحاد (الانكماش والإجهاد)، أو يتأرجح بينهما.
إشارات يومية تستحق الانتباه
تتمثّل أولى تلك الإشارات في انخفاض القدرة على التحمل. فالأشخاص ذوو الحساسية العصبية المفرطة يشعرون بالإرهاق بسرعة أمام الضوضاء أو المحفزات الصغيرة، وتغمرهم الانفعالات بقوة مبالغ فيها. في هذه الحالة، كما توضح ريتشارد، لا يكون الهدف هو “الصلابة”، بل توسيع نطاق التحمّل تدريجيًّا. ويكمن الحل في تقليل المثيرات غير الضرورية، والتوقف دون شعور بالذنب، وممارسة تمارين التنفس البطيء والحركة الهادئة. فالتنظيم العصبي لا يتحقق بالمجاهدة، بل بالتكرار الآمن والهادئ.
أما الإشارة الثانية، فهي الميل إلى التكيّف المفرط في العلاقات. يحدث هذا عندما نحاول إرضاء الجميع خشية الخلاف أو الفقد، فنقول “نعم” فيما بداخلنا “لا”، ونراقب الآخرين باستمرار لنتفادى غضبهم. وتفسر ريتشارد ذلك بأنه “نمط بقاءٍ مكتسب”، إذ يتعلّم الفرد أن السلام يأتي على حساب ذاته. الطريق نحو التعافي هنا يبدأ بخطوات صغيرة، عبر اختبار أمن الحدود الشخصية تدريجيًّا، وبناء شعور بالأمان في العلاقة، غالبًا ضمن بيئة علاجية داعمة.
وتبرز الإشارة الثالثة حين يبدأ الجسد في التعبير عمّا يعجز الذهن عن قوله. فتظهر آلام متكررة بلا سبب عضوي، ويتعكر النوم، وتنخفض الطاقة من دون تفسير. توضح الأخصائية أن التعب الجسدي هنا ليس مرضًا في ذاته، بل رسالة من جهاز عصبي مثقل. العلاج الفعّال لا يقتصر على التفكير الإيجابي، بل يعتمد على إعادة الاتصال بالجسم من خلال الوعي الحسي، والتنفس المنتظم، والحركة الهادئة، والحفاظ على روتين متوقع يمنح شعورًا بالأمان. فالجسد لا يحتاج إلى الإقناع، بل إلى الاطمئنان.
ويأتي العلامة الرابعة في شكل تأرجح بين السيطرة والانهيار. فقد يعيش البعض فترات من الإنتاجية العالية تليها موجات من الإرهاق الشديد، وكأنهم يسيرون على حافة الانفصال عن الذات. وتفسر ريتشارد هذا النمط بوجود تذبذب بين التنشيط المفرط والهبوط التام. وتوصي بالانتباه المبكر لإشارات التعب، وإدخال فترات راحة قبل الوصول إلى الانهيار، واعتماد إيقاع حياة أكثر ثباتًا وأقل تطرفًا، فالاتزان الحقيقي يقوم على الاستمرارية لا الأداء المفرط.
أما العلامة الخامسة فتتمثل في الشك الدائم بالنفس. فاختلال التنظيم يؤثر على ما يُعرف بـ “الاستبطان”؛ أي القدرة على قراءة الإشارات الداخلية. فيفقد الشخص ثقته في إحساسه، ويبحث عن تأكيد خارجي دائم لما يشعر به، ويعيش في قلق غير مبرر. هنا، تشير ريتشارد إلى أن إعادة بناء الثقة الداخلية لا تتم بالإجبار، بل عبر احترام القرارات الصغيرة، والإصغاء للجسد، والعيش في بيئة تمنح الأمان، وربما بمساعدة علاج نفسي متخصص.
طريق نحو التوازن الداخلي
تكشف هذه العلامات عن حقيقة إنسانية بسيطة: إن الجهاز العصبي ليس خصمًا لنا، بل حارسٌ يحاول حمايتنا حتى عندما يخطئ التوقيت أو الوسيلة. والعودة إلى التوازن لا تحتاج إلى معارك داخلية، بقدر ما تحتاج إلى وعي، وصبر، وإتاحة الفرصة للجسد كي يشعر مجددًا بالأمان. في عالم لا يتوقف عن المطالبة بالمزيد، تصبح الراحة أحيانًا أعمق أشكال الشجاعة.
اقرأ المزيد
دراسة حديثة تكشف دور الجهاز المناعي في تنظيم مخازن الدهون أثناء الإجهاد الغذائي












