وطن-في الذاكرة الجمعية، كثيراً ما تبدو السجون – كما تصوّرها الأفلام – أماكن منضبطة، تقوم على نظام يومي صارم، وتخضع لرقابة دقيقة. غير أنّ الواقع غالباً ما يكون أبعد ما يكون عن هذه الصورة المتماسكة؛ ففي أنحاء مختلفة من العالم، تتحول بعض السجون إلى بؤر مكتظة، قاسية، يكتسيها كل مظاهر العنف والتهميش، حيث تغيب الرعاية الصحية، وتُدفن الكرامة الإنسانية بين الجدران.
وجوه متعددة للعزلة والعنف
في خليج غوانتانامو بكوبا، أنشأت الولايات المتحدة عام 2002 معتقلاً عسكرياً لاحتجاز أشخاص يُشتبه بارتباطهم بالإرهاب. لكن هذا المكان سرعان ما أصبح رمزاً لاحتجاز الأفراد من دون محاكمة واستخدام أساليب قاسية في الاستجواب، وهي ممارسات أدانها المجتمع الدولي لاحقاً. بعض المحتجزين هناك أمضوا سنوات خلف الأسوار دون أن تُوجَّه إليهم أي تهمة رسمية.
أما في صحراء تدمر السورية، فقد ظلّ السجن لعقود عنواناً للرعب تحت حكم النظام. آلاف المعتقلين السياسيين مرّوا بزنزاناته، وعاشوا سنواتٍ من المراقبة والعقاب المستمر، حتى على النظرات أو الحركات البسيطة. في عام 1980، شهد السجن مجزرة أودت بحياة مئات السجناء عقب محاولة اغتيال فاشلة للرئيس، لتبقى الحادثة واحدة من أحلك صفحات التاريخ السوري الحديث.
انهيار النظام خلف القضبان
في فنزويلا، جسّد سجن “سابانيتا” نموذجاً صارخاً لانهيار السيطرة داخل المؤسسات العقابية. بُني ليستوعب نحو 700 سجين، لكنه تراكم بداخله أكثر من 3000. ومع انسحاب الحراس إلى الهامش، فرضت الجماعات المنظمة داخل السجن نظامها الخاص، تحكم بالسلاح والخوف. أحد الحرائق خلال أعمال شغب أودى بحياة أكثر من 150 سجيناً، في مأساة كشفت عمق الانفلات والعنف.
وفي تايلند، يرفض الواقع داخل سجن “بانغ كوانغ المركزي” الواجهة الوردية التي يوحي بها لقبه “هيلتون بانكوك”. هنا يُحتجز أخطر المجرمين في ظروف قاسية، وحتى بعد إلغاء استخدام القيود المعدنية المثبتة بالأرجل عام 2013، بقيت المعاناة مستمرة بين طعام وُصف بأنه غير صالح، وعزلة خانقة.
سجون تحوّلت إلى رموز للاضطهاد
في تركيا خلال الثمانينيات، أصبح سجن ديار بكر عنواناً للقسوة في زمن الحكم العسكري. تعرض المعتقلون السياسيون للتعذيب وسوء المعاملة وحرمان الرعاية الصحية، في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان. اليوم، يُذكر هذا السجن كشبْح لتلك المرحلة القاتمة من تاريخ البلاد.
وفي قلب باريس، يقف سجن “لا سانتيه” شاهداً على قرن ونصف من التاريخ المظلم. فبعد عقود من التعتيم، كشف أحد الأطباء العاملين داخله عن بيئة خانقة، تهوية متدنية، واستحمام لا يتجاوز مرتين أسبوعياً، مع معدلات وفيات مرتفعة. ورغم الإصلاحات الكبرى التي أُعلنت لاحقاً، ظلّ السجن موضع جدل حقوقي دائم.
وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، يُعرف سجن “ADX فلورنس” في الولايات المتحدة بكونه الأكثر تحصيناً، لكنه يعزل نزلاءه عزلة تكاد تمحو إنسانيتهم. إذ يُقضون 23 ساعة يومياً في حبس انفرادي، بعيداً عن أي تواصل بشري حقيقي، ما يؤدي إلى تدهور نفسي حاد وصفه خبراء بأنه “سجن للعقول قبل الأجساد”.
بين الاكتظاظ والمأساة الإنسانية
في رواندا، تجسدت الكارثة في سجن “موهانغا” (المعروف سابقاً بغيتراما)، الذي صُمم لأربعمئة نزيل، لكنه ضمّ ما يقارب سبعة آلاف. سُجناؤه كانوا يقفون متلاصقين فوق أرض رطبة غير صحية، فيما انتشرت العدوى وأمراض الغرغرينا، وصولاً إلى تقارير صادمة عن حالات أكل لحوم بشرية في فترات الجوع الشديد.
وفي الولايات المتحدة أيضاً، يحتلّ سجن “سان كوينتن” في كاليفورنيا مكانة تاريخية باعتباره الأقدم في الولاية وموقع تنفيذ أكثر من 400 حكم بالإعدام منذ أواخر القرن التاسع عشر. على الرغم من شهرته، إلا أن بنيته التحتية المتهالكة تضاعف معاناة العاملين والسجناء معاً، خصوصاً داخل جناح المحكومين بالموت الأكبر في البلاد.
أما في البرازيل، فقد أصبح اسم “كارانديروا” مرادفاً للمجزرة. ففي عام 1992، تحوّلت مشاجرة بين السجناء إلى اقتحام دموي نفّذته الشرطة، أسفر عن مقتل 111 نزيلاً، كثير منهم كانوا عزّلاً وأُطلق عليهم النار من مسافات قريبة. كان السجن يضم أكثر من 8000 شخص في بيئة موبوءة بالأمراض مثل فيروس نقص المناعة والسل، كاشفاً حجم التدهور الإنساني داخل منظومة العدالة الجنائية آنذاك.
ما وراء القضبان… صرخة إنسانية
تُظهر هذه النماذج المنتشرة عبر القارات الثمن الباهظ الذي يدفعه البشر حين تتحول المؤسسات العقابية إلى أماكن نفيٍ للإنسانية بدلاً من معالجة أسباب الإنحراف.
اقرأ المزيد
3 جرعات كوكايين تحول جرافة ثلوج إلى أداة تدمير للمنازل
محاكمة نجل ولية عهد النرويج بتهم الاغتصاب والعنف تضع العائلة الملكية أمام اختبار صعب












