أمريكا لا تحاكم أحداً من المتورطين في جرائم جيفري إبستين. فالعدالة هنا لها سقفٌ لا تتجاوزه حين تقترب من رؤوسٍ كبيرة: رؤساء سابقين ورئيسٍ حالي ومسؤولين كبار. وحين يتساوون في الرذيلة والإجرام والفساد، فلا فرق بين ديمقراطي وجمهوري؛ كلاهما وجهان لجريمة واحدة.
في القانون، لا تُعرّف الجريمة إلا بوجود ضحية. وضحايا إبستين طرقوا أبواب العدالة منذ عام 1996، لكنهم لم يجدوا إلا أبواباً موصدة، وقضاءً غائباً رغم استقلاليته الظاهرة.
حتى عضوة الكونغرس مارجوري تايلور غرين، التي التقت ضحايا اغتُصبن وهن قاصرات، وكانت من أشدّ أنصار ترامب، لم تسلم من سطوته. طالبت بالإفراج عن وثائق إبستين تحقيقاً للعدالة، فإذا بترامب يوبخها ويهاجمها علناً، حتى خرجت باكية تقول إنها تشعر وكأنها “زوجة مُعنَّفة”.
رضخ ترامب، في نهاية المطاف، للضغط الشعبي والبرلماني المطالب بنشر الوثائق. لكنه لم يفعل ذلك إلا بعدما تيقّن أن ما سيُفرَج عنه لن يدينه، ولن يثبت تورطه في فضائح إبستين أو جرائمه. فالعدالة عندهم لا تُطلق إلا حين تصبح آمنة، ولا تُنشر إلا بعد أن تُفرَّغ من أنيابها.
وما قضية إبستين إلا نموذج من نماذج كثيرة. ففي سجن أبو غريب بالعراق، حاكموا جنوداً عذّبوا المعتقلين، وسُجن بعضهم، لكن المحاسبة لم تصعد إلى الرؤوس الكبيرة، ولم تلامس صناع القرار، ولم تقترب من أصحاب الأوامر، كما طالب كثيرون. فالقانون يُنزَل على الصغار، أما الكبار فمحميّون بحصانة غير مكتوبة.
ولا عدالة للضحايا. فالجناة متساوون، والجرائم حين تبلغ عتبة السلطة تصبح “أسرار دولة”. فإن استغل الجمهوريون هذه الفضائح لتصفية حساباتهم مع الديمقراطيين، أو فعل الديمقراطيون الشيء ذاته، حينها فقط يُخرجون من الوثائق ما يناسب معاركهم، لا ما ينصف الضحايا. أما الحقيقة كاملة، فتبقى حبيسة الأدراج.
لا تصدق عدالتهم. ولا تصدق ديمقراطيتهم. ولا تصدق حضارتهم.
لقد عشت فيها جلّ عمري، ورأيت زيفها وبهرجتها عن قرب. وما ترامب إلا تجسيدٌ فاضح لها: غرورٌ بلا حدود وعنجهية عمياء، وجنونٌ مستعرض، ووقاحةٌ مدججة بالسلطة، ولسانٌ لا يعرف إلا السفالة.
اقرأ أيضاً:












