وطن-في وقت يتشبث فيه الملايين في السودان بخيط أمل واهٍ، يقترب البلد من عجز غذائي غير مسبوق، يهدد حياة أكثر من 21 مليون شخص يعيشون مستويات خطيرة من الجوع الحاد. فمع انحسار المساعدات وتقلّص التمويل الدولي، يجد برنامج الأغذية العالمي نفسه مضطرًا إلى تخفيض حصص الطعام في بلد يواجه اليوم أسوأ أزمة غذائية على وجه الأرض.
مأساة إنسانية تتسع
تبدو مخيمات النزوح في دارفور شاهدًا على تراكم الألم في بلد يضم أكثر من 11.7 مليون نازح، بينهم سبعة ملايين داخل حدوده. ورغم زيادة مؤقتة في المساعدات ببعض المناطق في أواخر عام 2025، فإن معظم تلك الجهود بدأت تتلاشى مطلع 2026، ما يهدد بانهيار الاستجابة الإنسانية بأكملها. ووفق بيان أصدره روس سميث، مدير الاستعداد والطوارئ في برنامج الأغذية العالمي، قد تُستنفد إمدادات المنظمة بحلول نهاية مارس المقبل إذا لم يُضخ نحو 700 مليون دولار عاجلاً.
دارفور… قلب الأزمة
تشير أحدث بيانات “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” إلى أنّ أغلب من يعيشون حالة طارئة غذائيًا ــ عند المستوى الرابع من سلم الخطر المكوّن من خمس درجات ــ يتركزون في دارفور، التي أصبحت مأوى رئيسيًا للنازحين جراء المعارك. وفي سبتمبر 2025 أُعلنت حالتا مجاعة في مدينة الفاشر شمال دارفور وكادوقلي، بعد أن شهدت المنطقتان “انهيارًا تامًا في سبل العيش وانتشارًا واسعًا لسوء التغذية والموت جوعًا”.
حكايات من النزوح
سفـاء إبراهيم، أمّ لأربعة أطفال، هربت من الفاشر في أغسطس 2025 بعدما اقتربت قوات الدعم السريع من السيطرة على المدينة، لتبدأ رحلة قاسية كلفتها 500 ألف جنيه سوداني تقريبًا ــ أي نحو 700 يورو ــ دفعتها لوسيط مقابل تأمين طريق الخروج.
وبعد أيام طويلة من التنقل عبر القرى والمخيمات، استقرت في بلدة “خزان جديد” بشرق دارفور، حيث لا يتعدى ما يصلهم من مساعدات سوى بعض المواد الأساسية، وتقلّبت أحوال الدعم بين فترات قصيرة من التوزيع وأشهر طويلة من الانقطاع.
وفي مخيم “النعيم” بشرق دارفور، يقول الطيب عمر إن “المعونات تُوجَّه بمعظمها إلى شمال دارفور، خصوصًا منطقة طويلة، بينما يعاني مخيمنا نقصًا حادًا”. ويضيف أنّ مدينته تأوي أعدادًا متزايدة من الأسر الهاربة من الفاشر وولايات أخرى مثل النيل الأزرق والخرطوم.
انسداد الممرات وتآكل الثقة
من جهته، يرى المدير التنفيذي لمنظمة “الدعوة للديمقراطية”، ضرار آدم ضرار، أن تقليص المساعدات الأميركية شكّل ضربة قاسية، إذ كانت واشنطن تمول قرابة 27% من خطة الطوارئ الإنسانية في 2025. وأضاف أن توقف الدعم جعل برنامج الأغذية العالمي عاجزًا عن الوصول إلى كثير من المناطق، لاسيما دارفور، ما اضطره للاعتماد على جمعيات محلية وُجهت إليها اتهامات بالفساد وسوء إدارة المعونات.
وفي شهادة أخرى، أوضح ضرار أن الحرب، منذ اندلاعها في أبريل 2023، دمرت الزراعة في مناطق الإنتاج التقليدي مثل دارفور وكردفان، حيث أدت الهجمات ونزاعات المراعي والاستيلاء على الأراضي إلى انهيار الإنتاج وارتفاع غير مسبوق في أسعار الغذاء.
أطفال ونساء في مواجهة الجوع
في مدينة “أمبرو” شمال دارفور، يصف المدرّس محمد عبد الرحيم المشهد المأساوي: “المنطقة تعاني نقصًا حادًا في الأغذية بعد تدفق آلاف العائلات إليها، والمنظمات الإنسانية محدودة القدرة على الوصول”.
أما آدم رِجال، المتحدث باسم “تنسيق اللاجئين والنازحين في دارفور”، فيحذر من أن نقص الغذاء بلغ “مستويات مميتة”، خصوصًا بين الأطفال والنساء وكبار السن، في ظل انهيار اقتصادي شبه كامل وتدهور غير مسبوق لقيمة العملة المحلية. ويدعو إلى توفير تمويل عاجل يكفل استمرار الاستجابة الإنسانية وإنقاذ الأرواح.
استنزاف التمويل وتراجع التضامن الدولي
تُشير التقارير الأممية إلى أن خطط الاستجابة الإنسانية في السودان ظلت تعاني دائمًا من فجوات في التمويل. ففي عام 2025، لم تتجاوز نسبة التمويل الفعلي 38.7% من الاحتياجات، ما كشف عجز المجتمع الدولي عن ملاقاة حجم الكارثة الآخذة في الاتساع.
نداء أخير
وسط كل هذا السواد، يقف النازحون في طوابير طويلة أمام شاحنات الطعام القليلة، منتظرين وجبة قد تكون الأخيرة قبل انقطاع الإمدادات. إن المأساة السودانية اليوم ليست مجرد أزمة غذاء، بل قصة عن صمود الإنسان في وجه الجوع والحرب، وعن مجتمع دولي يؤخر إنقاذ ملايين الأرواح بقرارات التمويل والمؤتمرات.
ومع اقتراب نهاية مارس، تبقى حقيقة واحدة واضحة: إن لم يتحرك العالم بسرعة، فإن الجوع لن يكون خطرًا محتملاً في السودان، بل واقعًا قاتلًا يتسع يوماً بعد يوم.
اقرأ أيضاً
تحقيق يكشف حملة رقمية منسقة في مصر للتحريض ضد اللاجئين السوريين والسودانيين












