وطن-في وقت تشهد فيه الساحة الأميركية جدلاً متصاعدًا حول أساليب إنفاذ قوانين الهجرة، أدلت مواطنة من أصول بنغلاديشية بشهادة مؤثرة أمام مشرعين ديمقراطيين في الكونغرس، روت فيها تفاصيل ما وصفته بأنه “تجربة مرعبة” أثناء احتجازها من قبل عناصر تابعة لوكالة الهجرة والجمارك (ICE) في مدينة مينيابوليس.
بداية الحادثة
تروي عليا رحمن، المقيمة في جنوبي مينيابوليس، أنها كانت في طريقها إلى موعد طبي في الثالث عشر من كانون الثاني/يناير، ضمن سلسلة من مراجعاتها في «مركز إصابات الدماغ الرضّية» بمقاطعة هينيبين، عندما اعترض طريقها ازدحام مروري سببه وجود عربات تابعة لوكالة الهجرة من دون أي إشارات واضحة لإعادة التوجيه. وبينما كانت تحاول تفادي المنطقة، تصاعد الموقف سريعًا.
تقول عليا إن أحد العناصر صرخ بها طالبًا تحريك السيارة مهددًا بتحطيم نافذتها، وما إن أطاعت التعليمات وفتحت الزجاج جزئيًا حتى انهالت عليها الأوامر المتضاربة والصيحات من عدة جهات، قبل أن تتحطم نافذة السيارة ويتحول المشهد إلى فوضى كاملة.
صدمة ومشاهد عنف
تصف رحمن اللحظة التالية بأنها “انفجار من الأصوات والحركة”. فقد أُنزلت بالقوة من سيارتها رغم صراخها المتكرر بأنها مصابة بإعاقة جسدية وإصابة دماغية، لتُطرح أرضًا على وجهها بينما كان أحد العناصر يثبت ذراعيها خلف ظهرها. وأثناء تقييدها، انتابتها ذكريات مؤلمة عن حالات مماثلة انتهت بمقتل مواطنين أثناء مواجهات مع الشرطة، من بينهم جورج فلويد الذي فارق الحياة قبل أعوام قليلة في شارع لا يبعد سوى أربع كتل سكنية عن مكان احتجازها.
وأضافت أنها شاهدت أحد العناصر يشهر سكينًا حادة أمام وجهها، ظنت في لحظتها أنه يهمّ بإيذائها، قبل أن تكتشف لاحقًا أنه استخدمها لقص حزام الأمان. لكن الألم الجسدي والنفسي الذي أصابها – كما قالت – كان بالغًا، وترك آثارًا في عنقها وذراعيها، ما جعلها غير قادرة لاحقًا على رفع يديها بشكل طبيعي.
انتهاكات في مركز الاحتجاز
بعد نقلها إلى مركز «وِبل» التابع لوزارة الأمن الداخلي، واصلت رحمن وصف ما جرى داخل المركز بكلمات صادمة. فقد تحدثت عن مشاهد مأساوية لمحتجزين مربوطين بالسلاسل في مجموعات، بعضهم من ذوي البشرة السوداء أو من أصول لاتينية، يُنادى عليهم وفق أوصاف “الأجساد” بدل الأسماء. وقالت: “حين تسمع من يصفك بأنك جسد، تفقد الشعور بأنك قد تعود حيًّا”.
وأشارت إلى أن الموظفين داخل المركز بدوا غير مدرَّبين على التعامل مع الحالات الخاصة، إذ لم تُجرَ لها أي فحوص طبية ولم يُسمح لها بالتحدث إلى محامٍ أو استخدام الهاتف. وعندما بدأت تواجه صعوبة في النطق نتيجة إرهاق عصبي، لم يُقدَّم لها أي دعم تواصلي، بل تعرضت للسخرية من عدد من العناصر الذين دفعوها إلى السير مقيدة بالأغلال رغم إصابتها.
وحين فقدت القدرة على الكلام بسبب الألم وارتفاع معدل ضربات قلبها، استغاثت زميلتها في الزنزانة بطاقم المركز مطالبة بعلاج طبي عاجل، إلا أن الإجابة جاءت بالإهمال الصريح، إذ اكتفت أحد الأصوات خارج الباب بالقول: “لا نريد التدخل في شؤون وكالة الهجرة”.
من قاعة الاحتجاز إلى قاعة الاستماع
استفاقت عليا رحمن لاحقًا في قسم الطوارئ التابع لمستشفى مقاطعة هينيبين، حيث أُبلغت بأنها نُقلت لتلقي العلاج بعد تعرضها لاعتداء. وفي شهادتها أمام أعضاء من الكونغرس، أوضحت أن تأثير ما جرى لم يكن جسديًا فحسب، بل طال حالتها النفسية واستقرارها المالي كذلك.
رغم ذلك، أكدت أنها لا تعتبر نفسها أحقّ بمعاملة إنسانية من أي شخص آخر، سواء كان مواطنًا أميركيًا أو مهاجرًا، لكنها ترى أن ما شهدته يعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب المساءلة والانضباط في أداء بعض أجهزة إنفاذ القانون. وقالت: “يصف بلدنا نفسه بأنه متحضر، ومع ذلك نفتقر إلى القواعد التي تحدد حدود سلطة من يدّعون تطبيق القانون تجاه إنسان أعزل”.
قضية تتجاوز الحدود الفردية
لم تكن شهادة رحمن لم تكن مجرد سرد لتجربة شخصية، بل حملت دعوة لإنهاء ما وصفته بـ«نمط متكرر من العنف المؤسسي» الذي يستهدف الفئات المهمشة منذ قرون، سواء من المجتمعات الإفريقية الأصل أو السكان الأصليين، أو من المقيمين والمهاجرين الذين يجدون أنفسهم داخل منظومة رديفة للعدالة لكن من دون حماية حقيقية.
واختتمت حديثها قائلة إنها لا تخشى الاستمرار في المطالبة بالإصلاح، مؤكدة أن واجبها الأخلاقي اليوم هو نقل صوت من لم يتمكنوا من العودة إلى منازلهم أو الإفصاح عما مرّوا به.
بهذه الشهادة، تفتح عليا رحمن نافذة جديدة على واقع إنساني مؤلم يختلط فيه القانون بالمعاناة، وتدفع بسؤال عميق إلى واجهة النقاش الأميركي: كيف يمكن لدولة تتباهى بحماية الحقوق أن تتجاهل صرخات من يفترض أن تكون حمايتهم أول واجباتها؟
قد يعجبك
خطة ترامب لتحويل مينيسوتا إلى ‘ولاية بوليسية’: هل ينجح الدستور في وقف التغول الفيدرالي؟












