وطن-قد تبدو عملية اختيار المقعد في الطائرة من التفاصيل الثانوية عند السفر لمسافات طويلة، لكنها بالنسبة إلى كثيرين ليست مجرد صدفة، بل عادة متكررة تبعث على الطمأنينة والسيطرة وسط عالم من المتغيرات. فبينما يبحث البعض عن مقعد مريح أو قريب من الممر، يتعامل آخرون مع الأمر كاستراتيجية محسوبة تكشف جانباً خفياً من شخصياتهم وأنماط قلقهم.
هوس المقاعد: بحث عن السيطرة في أجواء غير متحكم بها
منذ لحظة حجز الرحلة، يبدأ بعض المسافرين طقسهم الخاص بدقة شبه علمية: التدقيق في صور الطائرات، قراءة تقييمات المسافرين السابقين، ومتابعة خارطة المقاعد يومياً في محاولة للتنبؤ بمكان سيظل شاغراً حتى الإقلاع. هذا السلوك ليس مجرد حب للراحة، بل كما يوضّح اختصاصي علم النفس في الأداء سام وونز، “انعكاس لرغبة الإنسان في فرض السيطرة في بيئة يشعر فيها بالعجز عن التحكم”. ويضيف أن تكرار هذه الطقوس يخفّف من القلق المرتبط بما هو خارج السيطرة، فمع كل نقرة على “إدارة الحجز”، يشعر المسافر أن شيئاً ما على الأقل يسير وفق إرادته.
أنماط شخصية تتجلى في صفوف وأرقام
يمكن أن تصل سلوكيات اختيار المقعد إلى حدود طريفة أو حتى غريبة. الكاتبة المتخصصة في السفر جورجيا هوكنز، مثلاً، لا تجلس إلا في الصفوف ذات الأرقام الفردية، وتفضّل المقعد بجانب النافذة في مقدمة الطائرة لكونها الأسرع في الصعود والنزول. بالنسبة لها، الصف 12 أو 14 “غير موجودين أصلاً”. أما أماندا كيندل، فالتزامها لا يقل غرابة؛ لا تسافر إلا في الصف 25، لأنه رقمها “المحظوظ”، حتى لو توفّر مقعد أكثر راحة في مكان آخر. تقول مبتسمة: “جزء من ذهنيتي القلقة يخبرني أن تغيير المقعد قد يجلب كارثة”.
المقعد الأوسط… مرآة للثقة بالنفس
من زاوية علم النفس الاجتماعي، يرى الخبير كريس ليب أن اختيار المقعد يكشف مساحة ثقة الشخص بنفسه في الأماكن العامة. فالأشخاص الذين يشعرون بالقوة أو النفوذ لا ينزعجون كثيراً من الجلوس إلى جوار غرباء، حتى في المقعد الأوسط المرهوب، بينما يميل القلقون إلى الدفاع عن مساحة صغيرة من الخصوصية، فيتشبّثون بمساند الأذرع أو يتجنّبون اللمس كلياً.
مقدمة الطائرة أم مؤخرتها؟ مسألة أسلوب حياة
اختيار الجلوس في مقدمة الطائرة أو مؤخرتها ليس مجرد حب للسرعة أو الميل إلى الهدوء. فبحسب وونز، من يجلسون بالقرب من المقدمة يميلون إلى الكفاءة وسرعة الإنجاز وتجنّب الشعور بالاحتجاز. أمّا من يفضلون المقاعد الخلفية، فهم أكثر تسامحاً مع الانتظار وأقل رغبة في المنافسة على الخروج أولاً، وربما يبحثون عن أجواء أقل تضجيجاً.
النافذة أم الممر: ما الذي يقوله اختيارك عنك؟
غالباً ما يجذب اختيار المقعد بجانب النافذة الانطوائيين الباحثين عن مساحة خصوصية وتأمل، في حين يفضل المنفتحون مقعد الممر لأنه يمنحهم حرية الحركة وتواصلاً أسهل مع الآخرين. غير أن هذا التفضيل قد يكون ذا ثمن، كما اكتشفت المصورة ليزا بيرنز أثناء رحلتها من طوكيو إلى هلسنكي. جلست في الممر بينما أُغلق ستار النافذة بجانبها، لتجد نفسها عاجزة عن مشاهدة المشاهد القطبية المذهلة التي حلقت فوقها. تقول: “اضطررت للتنفس بعمق لأقاوم رغبتي في إزاحة الستار”.
الجانب الأيمن أم الأيسر؟ حين يتحول التفضيل إلى عادة عصبية
تشير تحليلات بيانات الركاب لدى بعض شركات الطيران إلى أن أغلب المسافرين يفضلون الجلوس على الجانب الأيسر من الطائرة، ما يجعل احتمال وجود مقعد فارغ في الجهة اليمنى أعلى. هناك من يدرك ذلك فيعتمده كاستراتيجية دائمة. ويوضح وونز أن الدماغ، عندما يربط الراحة أو الحظ باتجاه معين، يرسّخ هذا الاختيار ويجعله عادة يصعب كسرها.
بين المنطق والعاطفة
قد يبدو التمسك بمقعد محدد تصرفاً مبالغاً فيه، لكنه يكشف ببساطة عن محاولات البشر الدائمة لجعل الفوضى أكثر قابلية للتوقع. فالمقاعد، وهي مجرد رموز في خارطة رقمية، تصبح في أذهاننا وسيلة طمأنة في بيئة لا نتحكم في كثير من تفاصيلها. وهناك من يضحك على هذه العادة، مثل الرجل الذي اعترف بأنه يراجع مخطط المقاعد يومياً قبل رحلته الطويلة لأن وجود مقعد شاغر بجانبه في الرحلات الممتدة لـ17 ساعة “ليس حظاً، بل خطة محكمة”.
ختيار المقعد في الطائرة ليس مجرد ذوق شخصي أو صدفة؛ إنه مرآة صغيرة لطبيعتنا البشرية وطريقتنا في التعامل مع القلق وفقدان السيطرة. وبينما يسعى بعضنا إلى ممر يسهل الحركة، أو نافذة تفتح على السماء، أو حتى رقم مفضل يعيد الإحساس بالأمان، تبقى النتيجة واحدة: نحن نحاول أن نجد في هذا الفضاء الضيق قطعة صغيرة من الطمأنينة، تكفينا لرحلة طويلة بين الأرض والغيوم.
اقرأ المزيد
سافر بذكاء: 13 طريقة مجربة للحصول على خدمات محلية بأسعار غير سياحية












