وطن-في خضمّ الجدل المتصاعد حول الخطاب العنصري في الحياة السياسية الأميركية، تبرز مرة أخرى واقعة جديدة تمسّ صورة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، بعد نشره مقطعاً مصوّراً بتقنية الذكاء الاصطناعي يُظهر الرئيس الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل في مشهد مسيء يحمل رموزاً عنصرية واضحة. ما أثار الاستغراب أن هذا السلوك جاء خلال شهر تاريخ الأميركيين من أصول إفريقية، وهو ما اعتُبر تحدياً فجّاً لمعايير الاحترام العام.
وعلى الرغم من محاولات فريق ترامب تبرير ما حدث باعتباره “خطأً تقنياً” ارتكبه أحد العاملين في حسابه، فقد بدت القصة، بالنسبة للشارع الأميركي ومراقبي الخطاب السياسي، حلقة ضمن سلسلة طويلة من تجاوزات مماثلة اعتادها ترامب، بدءاً من تشكيكه في أصول أوباما، ووصولاً إلى تصريحاته المهينة بشأن بعض الدول الإفريقية، إضافة إلى القيود المشددة التي فرضها على تأشيرات السفر لعدد من مواطنيها.
غير أن خطورة الواقعة لا تتوقف عند بعدها العنصري فحسب، بل تمتد إلى ما هو أعمق: نهج متكرر يوظف فيه ترامب الاستفزاز المتعمد كأداة سياسية لصرف الانتباه عن أزمات حقيقية تطال إدارته أو مواقفه. فبينما تتراجع شعبيته في استطلاعات الرأي، تتوالى مواقف صاخبة تسيطر على عناوين الأخبار وتغطي على قضايا أكثر إلحاحاً، مثل التراجع الاقتصادي وملفات الفساد الإداري وتداعيات مذكرات التحقيق في قضايا حساسة، من بينها ملفات جيفري إبستين التي ورد فيها اسم ترامب عشرات الآلاف من المرات.
ويصف خبراء الإدارة والسلوك القيادي هذه المقاربة بأنها “آلة تشتيت مستمرة”، إذ تتعمّد إنتاج أزمات جديدة لإغراق الرأي العام في دوامة من الصدمة والغضب المتجدد، ما يجعل من الصعب على خصوم ترامب تثبيت النقاش حول قضية بعينها أو محاسبته بشكل فعّال.
ويشير باحثون في معهد “قيادة الرؤساء التنفيذيين” بجامعة ييل، في دراسة وردت ضمن مؤلفهم الأخير “الوصايا العشر لترامب”، إلى أن هذا الأسلوب يشبه تقنية “جدار الصوت” التي اعتمدها المنتج الموسيقي فيل سبيكتور، والمبنية على تداخل الأصوات وضجيجها لإغراق المستمع بالكامل. على النمط ذاته، يعتمد ترامب سياسة الإغراق الإعلامي، حيث تتراكم الأخبار المثيرة والنزاعات المفتعلة لتُحوّل النقاش العام إلى فوضى تامة.
ما يميز ترامب عن سواه من القادة، وفق الباحثين، أنه لا يلجأ لتغيير أجندة الأخبار بنشر إنجازات إيجابية أو مبادرات تصالحية، بل يعمد إلى خلق أزمات أكبر وأشد جدلاً فوق الأزمات السابقة. فكلما اشتدت الانتقادات أو ظهرت حقائق محرجة، بادر إلى إطلاق تصريح صادم أو اتخاذ قرار مثير للغضب، مثلاً دعوته الأخيرة إلى “تأميم الانتخابات” ومطالبته بالاستيلاء على صناديق اقتراع عام 2020 التي أُعيد تدقيقها مرات عدة، أو مساعيه لاتهام شخصيات بارزة في المؤسسات الفيدرالية ومحاولة الزجّ بها في قضايا قضائية مثيرة.
ويحذّر مراقبون من أن هذه الاستراتيجية ليست مجرد انفعالات عابرة، بل جزء من منظومة مدروسة لإعادة تشكيل المشهد الإعلامي باستمرار لصالحه، حتى لو كان الثمن إثارة الانقسامات الوطنية أو تراجع الخطاب الديمقراطي. فكل جدل جديد يمنحه فرصة لإعادة تعبئة مؤيديه وإحياء شعور “نحن في مواجهة الآخرين”، وهو العنصر الذي يعتمد عليه في بقائه فاعلاً سياسياً.
الملفت أن هذه المقاربة المنهكة للخصوم جعلت من الصعب على معارضيه توحيد رسالتهم أو مجابهة الهجمات المتكررة بكفاءة، إذ لا يمكن مجاراة وتيرة الاستفزاز المستمرة ولا استيعاب كل منحى جديد من الجدل قبل أن يخرج آخر. وفي النهاية، يبدو أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في طبيعة الرسائل العنصرية ذاتها، بل في قدرة مثل هذه الممارسات على إعادة تشكيل الوعي العام وتطبيع الجدل المسموم باعتباره جزءاً من السياسة اليومية.
ويخلص التقرير إلى أن مواجهة هذا النمط من القيادة تتطلب وعياً جماهيرياً مختلفاً، يدرك أن الصخب الاستعراضي قد يُخفي وراءه قصوراً سياسياً وإدارياً أخطر بكثير، وأن التحدي الأكبر أمام المجتمع الأميركي اليوم ليس الرد الغاضب على الإساءات، بل مقاومة الانجرار وراء آلة التشتيت الدائمة التي تغذيها.
اقرأ المزيد
فيديو مسيء من ترامب يصور أوباما وزوجته بطريقة عنصرية يثير غضبًا واسعًا في أمريكا












