وطن-بعد أعوام من الجدل والإشاعات التي طالت أسماء لامعة في مجالات السياسة والمال والدبلوماسية، كشفت مراجعة حديثة لوثائق وزارة العدل الأمريكية أن التحقيقات الفيدرالية في قضية جيفري إبستين خلصت إلى وجود أدلة كافية على اعتدائه جنسيًا على فتيات قاصرات، لكنها لم تجد ما يؤكد أنه أدار شبكة اتجار بالبشر تخدم شخصيات نافذة.
تحقيق مطوّل ومراجعة لوثائق داخلية
بحسب ما أظهرته الوثائق التي اطلع عليها فريق تحقيق تابع لوزارة العدل، فإن تسجيلات وصورًا تمت مصادرتها من منازل إبستين في نيويورك وفلوريدا وجزر فيرجن لم تتضمن مشاهد توثّق اعتداءات أو تُظهر متورطين آخرين في الجرائم. وأفاد أحد المدعين العامين في مذكرة مؤرخة بعام 2025 بأن المواد المصادرة لم تُظهر سوى صور لجسد عارٍ دون أي مشاهد تدين أطرافًا إضافية.
كما كشفت مراجعة لسجلاته المالية، شملت مدفوعات إلى جهات ترتبط بأسماء مؤثرة في مجالات عدة، عن عدم وجود صلات بأي أنشطة غير قانونية.
خلفية القضية وامتداد التحقيق
بدأت فصول القصة عام 2005 عندما أبلغ والدا فتاة تبلغ 14 عامًا عن تعرض ابنتهما لانتهاك داخل منزل إبستين في بالم بيتش بولاية فلوريدا. وانتهت التحقيقات حينها باتفاق قضائي سمح له بالاعتراف بتهم على المستوى المحلي تتعلق باستدراج قاصر لأغراض البغاء، ليقضي 18 شهرًا فقط في السجن ويُفرج عنه عام 2009.
لكن الجدل عاد إلى الواجهة عام 2018 بعد سلسلة تقارير صحفية أعادت فتح الملف ودعت النيابة الفيدرالية لمراجعته من جديد. وفي يوليو/تموز 2019 أُلقي القبض على إبستين، إلا أنه أنهى حياته بعد شهر داخل زنزانته. وبعد عام، وُجّهت تهم لشريكته المقربة غيسلاين ماكسويل بتجنيد فتيات لصالحه والمشاركة في بعض الاعتداءات، لتدان لاحقًا عام 2021 بحكم بالسجن لمدة 20 عامًا.
البحث عن شركاء محتملين
تُظهر الوثائق التي أُفرج عنها مؤخرًا، أن فريق التحقيق الفيدرالي عمل لسنوات على التحقق من مزاعم وجود شركاء أو متورطين آخرين، حتى ما اعتُبر ادعاءات غير منطقية تمت مراجعتها بدقة. ومع ذلك، لم يتمكن المحققون من إثبات صحة العديد من الشهادات، وفق ما جاء في تقاريرهم.
وفي عامي 2011 و2019، استجوب المحققون فرجينيا روبرتس غيوفري، التي صرّحت في دعاوى قضائية وإعلامية بأن إبستين رتّب لقاءات جنسية لها مع شخصيات بارزة، بينهم الأمير البريطاني أندرو. وقد أكد المحققون تعرضها لاعتداءات من إبستين نفسه، لكنهم اعتبروا أجزاء من روايتها الأخرى متناقضة، خاصة بعد اعترافها بكتابة مذكرات تضمنت أحداثًا مختلقة وتغيّر أقوالها في أكثر من مقابلة.
وفي مذكرة داخلية عام 2019، أوضح الادعاء أن امرأتين أخريين زعمت غيوفري أنهما تعرّضتا لانتهاكات مشابهة، نفتا أمام المحققين أي علاقة لهما بمثل تلك الحوادث.
أدلة مادية بلا صلات إضافية
شملت التحقيقات كذلك تفريغ محتويات ضخمة من الأجهزة الإلكترونية والمقتنيات التي حُجزت من ممتلكات إبستين المختلفة. وبينما وُجدت نسخ إلكترونية وصور لأجساد عارية، لم يتبين وجود أي تسجيلات تثبت حدوث اعتداء أو تُظهر رجالًا برفقة الضحايا. وأكدت المذكرة المرفوعة من المدعية ماورين كومي أن الحكومة الأمريكية كانت ستتابع أي خيط جديد لو وُجد، غير أن التحقيق لم يعثر على مقاطع من هذا النوع.
حلّل الفريق المالي التابع للمكتب الفيدرالي، كذلك حسابات إبستين البنكية، متتبعًا أكثر من 25 تحويلًا لنساء يُعتقد أنهن عارضات، لكنه لم يجد ما يشير إلى ممارسة دعارة منظمة أو استغلال جنسي لصالح آخرين. وحتى الأسماء المقربة أو المتعاملة تجاريًا معه لم يكن بالإمكان توجيه اتهام قانوني ضدها لغياب الدليل.
“القائمة السرّية” التي لم توجد
تداولت وسائل إعلام في فترات مختلفة أحاديث عن ما سُمي “قائمة عملاء إبستين”، لكن وثائق التحقيق أكدت عدم وجود مثل هذه القائمة على الإطلاق. ففي مذكرة داخلية بتاريخ 30 ديسمبر/كانون الأول 2024، سأل نائب مدير الـFBI بول أبّات عن حقيقة ما يردده الإعلام بخصوص هذه القائمة، فجاءها الرد من الفريق المختص بعد يوم واحد بأن أي وثيقة من هذا النوع لم تُعثر عليها خلال التحقيق. وبعد أسابيع، وقبل ظهور التصريحات الإعلامية حولها، أكد عميل إشرافي بالمكتب الفيدرالي المعلومة نفسها كتابةً.
ملفات مفتوحة ومراجعات مستمرة
حتى اللحظة، تواصل مؤسسات إعلامية أمريكية متعددة فحص ملايين الصفحات من الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل بناءً على “قانون شفافية ملفات إبستين”، في مسعى لتحديد ما إذا كانت بعض الأدلة قد أُغفلت أثناء التحقيقات السابقة.
تكشف هذه الوثائق عن صورة أكثر تعقيدًا لقضية ظلّت لسنوات محاطة بالاتهامات والنظريات، لكنها تُظهر في الوقت ذاته أن العدالة الفيدرالية لم تتوانَ عن التمحيص، ولو انتهت إلى خلاصة مفادها أنّ الجرائم المثبتة تخص إبستين وشريكته ماكسويل دون إثبات تورط آخرين. ويبقى الدرس الأهم في القصة هو الحاجة الدائمة إلى شفافية التحقيقات في القضايا الحساسة التي تمس كرامة الإنسان وحقوقه، مهما كانت مكانة المتورطين المحتملة.
اقرأ المزيد
وثائق FBI تكشف تورط جيفري إبستين في شبكة تجسس إسرائيلية بإشراف إيهود باراك












