وطن-يستعد قطاع الصحة في إسبانيا لاستقبال عام يحمل في طيّاته مفارقة لافتة: ازدياد غير مسبوق في حالات السرطان، يقابله تقدّم ملموس في نسب الشفاء وتحسّن جودة حياة المرضى. فبينما يُتوقّع أن يتجاوز عدد الحالات الجديدة هذا العام 300 ألف إصابة، بزيادة تقارب 2% مقارنة بعام 2025، يشير الخبراء إلى أن النظرة العامة يجب ألا تكون قاتمة، بل متفائلة بحذر، لما تحقّق من تحوّل عميق في مسار مكافحة المرض خلال العقود الماضية.
من المرض القاتل إلى المزمن القابل للعلاج
وفقاً لتقرير “أرقام السرطان في إسبانيا 2026” الصادر عن الجمعية الإسبانية للأورام (SEOM) تزامناً مع اليوم العالمي لمكافحة السرطان في الرابع من فبراير، تضاعفت معدلات النجاة خلال الأربعين سنة الأخيرة. ويؤكد رئيس الجمعية، الدكتور خافيير دي كاسترو، أن “التحسّن في التشخيص والعلاج جعل الصورة التي كانت سائدة قبل خمسين عاماً تتغير تماماً، إذ لم يعد الهدف مجرد إطالة عمر المريض، بل ضمان نوعية حياة أفضل وأقل سمّية وعناية طويلة الأمد بالمتعافين”.
ويضيف أن محور الجهود الحالية يتركّز على الوقاية والكشف المبكر والاستمرار في البحث العلمي، وهي مفاتيح أساسية لخفض الوفيات في المستقبل.
لماذا ترتفع الأرقام؟
لا يرتبط الارتفاع الإجمالي في عدد الحالات بالضرورة بتدهور الوضع الصحي، بل تفسّره عوامل سكانية واضحة: فعدد سكان إسبانيا ارتفع من أقل من 39 مليون نسمة عام 1990 إلى نحو 50 مليوناً اليوم، كما أن الشيخوخة السكانية باتت عاملاً حاسماً، إذ يزداد خطر الإصابة بالسرطان مع التقدم في العمر.
وعلى الرغم من أن هذه الزيادة لا ينبغي أن تثير الذعر، إلا أن ثمة مؤشرات مقلقة تستدعي الانتباه من الأطباء، خصوصاً ما يتصل بأنماط الحياة وسلوكيات الأجيال الجديدة.
التبغ… الخطر الأكبر المستمرّ
يظل التدخين، بمختلف أشكاله التقليدية والإلكترونية، السبب الرئيسي في معظم أنواع السرطان. ويشير المختصون إلى أن 90% من سرطانات الرئة مرتبطة مباشرة بالتدخين، إلى جانب علاقته بأورام المثانة والحنجرة والكلى والبنكرياس والقولون.
الأمر اللافت وفق التقرير، أن سرطان الرئة أصبح الأكثر فتكاً بين النساء في إسبانيا، متجاوزاً الرجال من حيث معدلات الإصابة. ويربط الخبراء ذلك بارتفاع معدلات التدخين بين النساء خلال العقدين الماضيين، حتى تضاعفت الإصابات ثلاث مرات مقارنة ببداية الألفية.
سرطان الشباب… ظاهرة جديدة تدقّ ناقوس الخطر
يتزايد عدد الإصابات بين الفئات العمرية الشابة، ولا سيّما ما بين 20 و29 عاماً، وهي شريحة كان يُعدّ ظهور المرض فيها نادراً في الماضي. وتشير التقديرات إلى تسجيل نحو 8 آلاف إصابة جديدة سنوياً لدى من هم دون الخمسين، معظمها بين النساء.
ويرى الأطباء أن المسببات تشمل التدخين الإلكتروني، السلوك الخامل، الإفراط في تناول الأغذية المعالجة صناعياً، والاستخدام المفرط للمضادات الحيوية التي تخلّ بتوازن الميكروبيوم وتضعف المناعة.
ما الذي يمكن فعله؟
يدعو المتخصصون إلى التركيز على التوعية بنمط الحياة الصحي أكثر من توسيع برامج الفحص المبكر وحدها. فممارسة النشاط البدني المنتظم – كما يوضح الباحثون – يمكن أن تقلّل خطر الإصابة بسرطانات الثدي والقولون والمعدة والمثانة بنسبة تصل إلى 30%، وتخفّض احتمالية الوفاة من أي نوع من السرطان بنحو 20%. كما أن المرضى النشطين بدنياً يظهرون تجاوباً أفضل مع العلاجات وأعراضاً جانبية أقل.
ويؤكد الدكتور دي كاسترو أن “الطب الحديث يتجه اليوم نحو دقّة أكبر في معرفة أسباب الأورام وتطوير سبل الكشف المبكر باستخدام ما يُعرف بالطب الدقيق”، مشيراً إلى أن معدلات البقاء في إسبانيا أصبحت مماثلة لتلك المسجلة في معظم الدول الأوروبية، ومن المرجح أن تواصل تحسّنها تدريجياً في السنوات القادمة.
نحو وعيٍ جماعي لا يخاف من الحقيقة
بين تزايد الحالات وتحسّن فرص الشفاء، يعيش المجتمع الإسباني مرحلة فاصلة في فهمه للسرطان: لم يعد المرض نهاية الطريق، بل تحدياً يتطلّب وعياً مستمراً والتزاماً جماعياً بالوقاية والبحث والدعم الإنساني. فكل تقدّم علمي لا تكتمل جدواه إلا إذا تبعه وعي مجتمعي يحوّل الأرقام إلى قصص بقاء وأمل.
اقرأ المزيد
دراسة حديثة تكشف دور الجهاز المناعي في تنظيم مخازن الدهون أثناء الإجهاد الغذائي












