وطن-في ظلّ الجدل المتجدد حول ملفات جفري إبستين، كشفت رسائل إلكترونية صدرت حديثًا عن أبعاد غير مسبوقة لقضية رجل الأعمال الأمريكي المدان بجرائم الاستغلال الجنسي، والتي ما زالت تثير تساؤلات حول شبكة نفوذه، وأسرار ما سُمّي بـ”إمبراطورية المراقبة” التي أقامها داخل ممتلكاته.
كاميرات مزروعة بعناية… وأوامر مباشرة من إبستين
أظهرت الوثائق الجديدة أن إبستين أصدر تعليمات مباشرة لمساعده وطياره لاري فيسوسكي بشراء ثلاث كاميرات خفية تعمل بالحركة، قادرة على التسجيل المزمن في الظلام، وذلك في فبراير/شباط 2014. وقد أكد فيسوسكي في مراسلاته الإلكترونية أنه اشترى الكاميرات من متجر متخصص بتقنيات التجسس في مدينة فورت لودرديل بولاية فلوريدا، وبدأ تركيبها داخل علب مناديل «كلينكس» داخل أحد منازل إبستين في بالم بيتش.
وفي اليوم ذاته، تلقّى إبستين رسالة أخرى من شخص حُجبت هويته جاء فيها تحذير بشأن ضرورة تركيب الكاميرات “بمنتهى السرية”، مضيفًا:”قد يكون الروس مفيدين في هذا الشأن”. ولم يُعرف بعد ما إذا كانت تلك الإشارة ترتبط فعلاً بتعاون أوسع أو كانت مجرد ملاحظة عابرة.
تكهنات حول أهداف التسجيل
تُظهر المراسلات إلى جانب كشوف بطاقات ائتمانية عمليات شراء بأكثر من ألف دولار من متجر أجهزة مراقبة، أعادت إلى الواجهة شكوكًا قديمة حول قيام إبستين بتصوير ضيوفه خلسة، ربما بقصد الابتزاز أو لحماية نفسه من شركائه. عدد من الضحايا الأميركيين والروس ذكروا أنهم اعتقدوا لسنوات أنه كان يحتفظ بتسجيلات سرية لممارسات جرت داخل منازله، لكن لم يتأكد ذلك رسميًا قبل صدور هذه الوثائق.
اتهامات وادعاءات قديمة تعود إلى الواجهة
كانت واحدة من أبرز الضحايا، فرجينيا جوفري، قد دوّنت في مذكراتها اعتقادها بأن إبستين كان يصوّر اعتداءات جنسية تعرضت لها، لاستخدامها ضد شخصيات بارزة. كما أشارت إلى اسم أندرو ماونتباتن-ويندسور، الذي نفى أي علاقة له بتلك الادعاءات. وفي رسالة لاحقة عام 2015، بدا أن أحد المراسلين لإبستين عبّر عن قلقه من تقارير إعلامية تحدثت عن «كاميرات خفية في غرف الضيوف».
وفي إفادة أخرى، قالت ضحية عُرفت باسم “جين دو” إنها اكتشفت صورًا عارية لها داخل منزل إبستين في بالم بيتش، مرجحة أن تكون التُقطت بكاميرات غير مرئية تم نصبها في أنحاء المنزل. أما الضحية ماريا فارمر، فذكرت أمام وسائل إعلام أمريكية عام 2019 أن إبستين أخذها إلى غرفة مليئة بشاشات عرض حية داخل منزله في نيويورك، كانت تُظهر ما اعتقدت أنه بث مباشر من كاميرات مراقبة سرية.
ترجيحات بوجود “غرفة المراقبة”
كشفت صور التقطتها السلطات الأمريكية بعد وفاته، بالفعل غرفة في منزله بنيويورك تحتوي على سبع شاشات مرتبة بشكل متسلسل، ما عزّز الشبهات حول وجود نظام مراقبة داخلي متكامل. كما عثرت السلطات على صناديق تحتوي على أقراص مدمجة وألبومات وصور، تعكس – على ما يبدو – هوس إبستين بتوثيق كل شيء.
إنكار ومبررات متناقضة
في وقت سابق، نفى إبستين في رسالة إلكترونية أرسلها لنفسه عام 2006 امتلاكه كاميرات خفية لأغراض غير قانونية، مؤكدًا أن الأجهزة الموجودة في منزله كانت بطلب من “أصدقاء في أجهزة إنفاذ القانون” وأن وجودها له تبرير “أمني بحت”.
انتحار وشكوك باقية
انتحر إبستين في أغسطس/آب 2019 داخل زنزانته في نيويورك بينما كان بانتظار محاكمته بتهم الاتجار بالبشر واستغلال القصّر. بيد أن مقتله المفاجئ، وما تلاه من تكتم رسمي حول محتويات التسجيلات، ترك الباب مفتوحًا لتكهنات ترى أن ما تم الكشف عنه لا يمثل سوى جزء يسير من المواد التي جمعها.
دعوات جديدة لكشف الحقيقة الكاملة
وفي مشهد رمزي لافت، ظهر عدد من الناجيات من شبكة إبستين في إعلان تلفزيوني بُثّ خلال مباراة “السوبر بول” هذا العام، طالبن فيه وزارة العدل الأمريكية بالإفراج عن جميع الملفات المتبقية في القضية. ظهرت النساء الثماني وهنّ يحملن صورًا لهنّ في سن الطفولة، وقالت إحداهن: “بعد سنوات من الصمت، نقف اليوم سويًا لأننا نستحق معرفة الحقيقة”.
ألزم القانون الذي أُقرّ في نوفمبر تحت اسم “قانون شفافية ملفات إبستين” الوزارة بنشر الوثائق خلال ثلاثين يومًا، إلا أن ما أُفرج عنه حتى الآن – نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون وثيقة وصورة وفيديو – لا يشمل كامل الأرشيف الرسمي الذي يفوق ستة ملايين ملف. الحكومة شددت على أن ما لم يُنشر تم حجبه لحماية الضحايا وضمان استمرار التحقيقات، بينما سمحت لأعضاء الكونغرس بالاطلاع على المحفوظات في غرف محمية داخل مقر وزارة العدل.
جدل عام لا يهدأ
وعلى الرغم من تصريحات بعض الساسة بضرورة “الانتقال إلى قضايا أخرى”، يرى مؤيدو الضحايا أن طيّ الملف دون كشف الحقيقة يرسّخ ثقافة الإفلات من العقاب. السيناتور الأمريكي تشاك شومر وصف الإعلان الذي قدّمته الناجيات بأنه «أهم إعلان في نهائي السوبر بول»، مضيفًا: «لا يمكننا أن نغضّ الطرف عن أكبر شبكة استغلال في العالم، يجب كشفها كاملة».
رسالة للوعي الإنساني
تُظهر هذه القضية كيف يمكن للثروة والنفوذ أن يحجبا الحقيقة لسنوات، لكنها في الوقت نفسه تُعيد تسليط الضوء على شجاعة النساء اللواتي قررن مواجهة الماضي علنًا. وبين تناقض المراسلات وغموض التسجيلات، يبقى الدرس الأهم أن العدالة لا تكتمل إلا بالشفافية، وأن الأصوات التي نجت من صمت الخوف تستحق أن تُسمع حتى النهاية.
اقرأ المزيد
طلب غريب من غيسلين ماكسويل من داخل السجن يعيدها إلى المشهد السياسي الأمريكي
تحقيق جولي براون يكشف خفايا قضية جيفري إبستين ويعيد فتح ملف النفوذ والعدالة في أمريكا












