وطن-في نهاية الأسبوع، تصدّرت قضية الشابة الفلسطينية لقاء كردية، البالغة من العمر 33 عاماً، العناوين مجددًا بعد نقلها إلى المستشفى إثر سقوطها داخل مركز احتجاز تابع لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية “ICE” في ولاية تكساس، حيث تقبع منذ قرابة عام في ظروف وُصفت بأنها قاسية ومهملة طبيًا.
مأساة إنسانية تكشف ثمن الاعتراض
تعود قصة كردية إلى مشاركتها في تظاهرات طلابية داعمة لفلسطين في جامعة كولومبيا عام 2024، على الرغم من أنها لم تكن طالبة هناك. كانت تعمل نادلة في مطعم بمدينة باترسون في ولاية نيوجيرسي، وسافرت إلى نيويورك تضامنًا مع المدنيين في غزة، حيث فقدت أكثر من مئتي فرد من أسرتها خلال الحرب. أوقفتها الشرطة حينها مع عشرات المشاركين، قبل أن تُسقط السلطات المحلية التهم عنها لاحقًا، مؤكدة أن نشاطها لم يتجاوز حدود التعبير السلمي.
لكن بعد نحو عام، وتحديدًا في 13 مارس/آذار 2025، تغيّر مسار حياتها جذريًا عندما استدعيت إلى مكتب الهجرة في نيوارك لـ“مراجعة روتينية”، لتجد نفسها محتجزة دون سابق إنذار، ثم نُقلت إلى مركز معزول في منطقة ألفارادو بولاية تكساس يبعد أكثر من 1500 ميل عن مكان إقامتها. هذا الأسلوب في “الاستدعاء ثم الاحتجاز” يشكّل، وفق جماعات حقوقية، نهجًا متزايد الاستخدام ضد المهاجرين والناشطين السياسيين.
ظروف احتجاز غامضة وحرمان من الرعاية
يؤكّد أسرتها ومحاموها أنهم عاشوا أياما من القلق في محاولة معرفة مكانها الدقيق بعد احتجازها، إذ لجأوا إلى الاتصال بستة عشر مستشفى في منطقة دالاس–فورت وورث دون أن يعثروا على سجل باسمها. وفي الوقت الذي اكتفت السلطات بتأكيد دخولها المستشفى، تحدثت ناشطة سابقة في المركز ذاته عن أن ليقاء أُصيبت بإغماءة شديدة أدت إلى سقوطها وارتطام رأسها بالأرض، ثم أصيبت بنوبة تشنج.
منظمات مدافعة عن المهاجرين ذكرت أن كردية كانت تعاني، طيلة احتجازها، نوبات متكررة من الدوخة وفقدان الوعي، وأعراضاً ناتجة عن سوء تغذية وإهمال طبي، في مراكز سبق أن وُثقت فيها انتهاكات مماثلة.
جدل قانوني وسياسي
محامو لقاء أكدوا أن قاضية الهجرة قضت مرتين بإمكانية الإفراج عنها، معتبرة أنها ليست خطراً على المجتمع ولا يُتوقع أن تهرب، إلا أنّ إدارة الأمن الداخلي وإدارة الهجرة استخدمتا قرارات إدارية للاستئناف عطّلت تنفيذ الحكم. وأشار مشرّعون من تكساس إلى أن استمرار احتجازها “عقابي وغير قانوني”، معتبرين أنه مرتبط بمواقفها السياسية الداعمة لفلسطين.
من جهتها، برّرت السلطات الأمريكية استمرار احتجازها بزعم تجاوزها مدة إقامتها الدراسية، فيما يقول محاموها إنها كانت تظن أن وضعها القانوني سليم بناءً على نصائح قانونية تتعلق بجنسية والدتها الأمريكية ومسار حصولها على الإقامة الدائمة.
اتهامات سياسية
ردّ وزارة الأمن الداخلي جاء حادًّا، إذ اتهمت كردية بامتلاك “صلات بأنشطة إرهابية” وبأن الأموال التي أرسلتها لأقاربها في غزة تُعد “دعماً مادياً للإرهاب”، وهو ما وصفته منظمات حقوقية بأنه حملة تشويه تهدف لترهيب الأصوات المنتقدة للسياسات الأمريكية والإسرائيلية. الوزيرة كريستي نُوم صرّحت بأنّ من “يؤيد العنف والإرهاب لا يستحق امتياز التأشيرة”، في خطاب اعتبره مراقبون محاولة لتجريم التعبير السياسي.
رسائل من خلف الأسوار
من داخل مركز الاحتجاز، كتبت لقاء مقالاً في صحيفة أمريكية أوضحت فيه أن احتجازها رسالة ترهيب لكل من يعبّر عن تضامنه مع فلسطين، مؤكدة أن قضيتها ليست استثناء بل جزء من هجوم أوسع على الحقوق والحريات داخل الولايات المتحدة. وقالت إن “استخدام قوانين الهجرة لمعاقبة المنتقدين” سابقة خطيرة تهدد حرية الرأي للجميع.
موجة تضامن متنامية
لاقت قضيتها تضامنًا من منظمات مثل مجلس العلاقات الأمريكية–الإسلامية، ومنظمة العفو الدولية، ومشروع تكساس للحقوق المدنية، إضافة إلى حملة دعم داخل الكونغرس الأمريكي. فقد وجّه أربعة وثلاثون نائبًا من تكساس رسالة إلى وزارة الأمن الداخلي مطالبين بإطلاق سراحها فورًا، ومنهم النائب سلمان بوجاني الذي وصف احتجازها بأنه “هجوم على حرية التعبير وتجريم للاحتجاج السلمي”. كما عبّر نواب من ولايتي نيوجيرسي وميريلاند عن الموقف نفسه.
وفي اليوم الذي أعلن فيه عن نقلها إلى المستشفى، نظم أهاليها ومتعاطفون وقفة أمام مركز الاحتجاز للمطالبة بالكشف عن حالتها وإطلاق سراحها. وتُلي بيان باسمها أكدت فيه أنها لا تشعر بالندم على دفاعها عن شعبها، رغم ما تتعرض له من معاناة، وقالت إن “جريمتها الوحيدة هي الكلام عن الإبادة التي طالت عائلتها”.
سياق أوسع ومعاناة مستمرة
ليست لقاء كردية بالحالة الوحيدة التي أثارت الجدل في الأوساط الحقوقية. فقد سبق أن احتُجز طلاب فلسطينيون آخرون من جامعة كولومبيا، مثل محمود خليل ومحسن المدهون، في قضايا مشابهة قوبلت بانتقادات دولية وانتهت بإطلاق سراحهما بعد تدخل القضاء الفيدرالي.
تأتي هذه الوقائع في ظل حرب إسرائيلية على غزة وصفتها جهات حقوقية بأنها إبادة جماعية، أودت – بحسب وزارة الصحة في غزة – بحياة أكثر من 72,000 فلسطيني وإصابة نحو 171,000 آخرين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع استمرار انهيار المستشفيات والبنى التحتية رغم إعلان وقف إطلاق نار مؤقت في أكتوبر 2025.
نداء إنساني
يُذكر أن لقاء كردية ولدت في الضفة الغربية المحتلة وجاءت إلى الولايات المتحدة عام 2016 بصفة طالبة، قبل أن تستقر في مدينة باترسون ذات الأغلبية العربية المسلمة، حيث كانت تعمل وتعيل شقيقها المصاب بالتوحّد. اليوم، بعد عام من الاحتجاز والعزلة، يجد أنصارها في قصتها مثالاً لعواقب تسييس تطبيق قوانين الهجرة وتقييد الأصوات المتضامنة مع القضايا الإنسانية.
وتظل رسالتها الأخيرة، كما نقلها محاموها، دعوة مفتوحة للجميع إلى “عدم الخضوع للخوف ومواصلة الدفاع عن العدالة وحرية الكلمة”، في ما اعتبره مؤيدوها صرخة إنسانية تتجاوز شخصها لتعبّر عن مطالب ملايين الباحثين عن الكرامة والحرية في العالم.
قد يعجبك
كانت في طريقها للطبيب.. مواطنة أمريكية تكسر صمتها وتروي تفاصيل “اختطافها” المرعب من قبل ICE!












