وطن-تتصاعد مجددًا فصول قضية الملياردير الراحل جيفري إبستين، المتهم بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي للقاصرات، بعد أن أعادت غيسلين ماكسويل – شريكته المقربة والمدانة في القضايا ذاتها – طرح اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى واجهة الجدل السياسي والقضائي في الولايات المتحدة.
فصل جديد في قضية لا تنتهي
أمام لجنة الرقابة في مجلس النواب الأميركي، التزمت ماكسويل الصمت التام، مستندة إلى حقها القانوني بعدم الإجابة على الأسئلة، لكنها فاجأت المراقبين عندما أعلنت – عبر محاميها ديفيد أوسكار ماركوس – استعدادها للإدلاء بشهادتها الكاملة “بكل صدق وشفافية” شرط أن يمنحها الرئيس ترامب عفوًا رئاسيًا. وقال ماركوس إن موكلته “تمتلك رواية كاملة قد لا تريح الجميع، لكنها قادرة على تبرئة كل من الرئيسين ترامب وبيل كلينتون من أي صلة غير قانونية بإبستين”.
أوضح البيان الذي نشره ماركوس على منصة “إكس”، أن ماكسويل ترى أن الرأي العام “يستحق معرفة الحقيقة”، وأنها الوحيدة القادرة على توضيح أسباب براءة من وردت أسماؤهم في التحقيقات.
خلفية العلاقة القديمة
تعود صلة ترامب بإبستين إلى مطلع الألفية، حيث كانا يحضران مناسبات اجتماعية مشتركة، من بينها احتفال عُقد في نيويورك عام 2000 بحضور ميلانيا كناوس (زوجة ترامب لاحقًا) وغيسلين ماكسويل نفسها. وفي السنوات اللاحقة، ومع بدء التحقيقات الأولية في جرائم إبستين في فلوريدا عام 2006، نقل رئيس شرطة بالم بيتش آنذاك، مايكل رايتر، للـ”إف بي آي” أن ترامب اتصل به خلال تلك الفترة مؤكدًا علمه بأن “الجميع كان يعرف بنشاطات إبستين المسيئة”.
رايتر أبلغ المحققين أن ترامب قال له وقتها: “من الجيد أنكم أوقفتموه، فالكل يعلم بما كان يفعله”، مضيفًا أنه طرد إبستين من نادٍ يملكه حين لاحظ وجود فتيات قاصرات في محيطه. لكن ترامب عاد لاحقًا لينفي أي علم مسبق بجرائم إبستين، وقال عام 2019 إنه لم تكن لديه “أي فكرة” عن استغلال الأخير للقاصرات وإن علاقته به انقطعت منذ سنوات طويلة.
البيت الأبيض أكد مؤخرًا أن ترامب “أبعد إبستين عن ممتلكاته قبل عقود بسبب سلوكه غير اللائق تجاه موظفات”، بينما أشارت وزارة العدل إلى عدم وجود دليل موثق على أن ترامب تواصل مع أجهزة إنفاذ القانون في تلك الفترة.
إطلاق ملفات إبستين مجددًا
خلال عامي 2025 و2026، أفرجت وزارة العدل الأميركية عن عشرات الآلاف من رسائل البريد الإلكتروني والوثائق المتعلقة بتحقيقات إبستين. هذه الملفات، التي تضمنت محاضر مقابلات وشهادات متضاربة، أثارت مجددًا أسئلة حول اتساع شبكة العلاقات التي أحاطت بالممول الراحل، ودور شخصيات سياسية واقتصادية بارزة في محيطه.
وكانت اللجنة البرلمانية الأميركية المكلفة بمتابعة القضية قد استدعت عددًا من المسؤولين السابقين، بينهم الرئيسان السابقان كلينتون وترامب، للاطلاع على إفادات إضافية، وسط انتقادات من مشرعين ديمقراطيين اتهموا وزارة العدل بـ“إخفاء أسماء شخصيات نافذة” وردت في الملف.
موقف ديمقراطي متشدد وتحفظ جمهوري
الطلب المفاجئ لماكسويل بإبدال صمتها بالعفو الرئاسي قوبل برفض قاطع من أعضاء الحزب الديمقراطي في اللجنة. النائبة ميلاني ستانسـبري اعتبرت أن “ماكسويل تستخدم ورقة المساومة للهروب من العدالة”، بينما رأى النائب سهـاس سوبرامانيام أن “موقف الرئيس غير الحاسم تجاه احتمال العفو يشجعها على عدم التعاون”.
وفي المقابل، وصف رئيس اللجنة النائب الجمهوري جيمس كومر تصرف ماكسويل بأنه “مخيب للآمال” مؤكدًا أن اللجنة كانت ترغب في طرح أسئلة حول الجرائم التي شاركت فيها مع إبستين وشركائه المحتملين.
ولم يستبعد ترامب بالكامل احتمال العفو. ففي تصريحات متكررة منذ منتصف 2025، قال إنه “لم يفكر بعد في الأمر” لكنه “مسموح له قانونًا بالنظر فيه”، مضيفًا أنه لم يتلق أي طلب رسمي من ماكسويل حتى الآن.
انتقادات لوزارة العدل وإدارة ترامب
أثارت لجنة الرقابة أيضًا انتقادات حادة لوزارة العدل بسبب تأخرها في تسليم النسخ الكاملة من ملفات إبستين وقيامها بعمليات تنقيح واسعة “من دون شرح كاف”، ما دفع النائب الديمقراطي جيمي راسكن إلى القول إن الوزارة “تتبنى سياسة إخفاء وحماية لشخصيات مرموقة”.
أما داخل الإدارة الأميركية، فقد واجه وزير التجارة هوارد لوتنيك مطالب بالاستقالة بعد ظهور وثائق تشير إلى أنه خطط لزيارة جزيرة إبستين عام 2012 رغم إعلانه سابقًا قطع علاقته به منذ عام 2005.
بين وعد بالحقيقة وذكرى لضحايا
يذكر أن ماكسويل نُقلت العام الماضي من سجن في فلوريدا إلى منشأة ذات حراسة مخففة في تكساس عقب استجوابها من قبل نائب المدعي العام تود بلانش، وهو الإجراء الذي أثار انتقادات من الديمقراطيين على خلفية ما وصفوه بـ“معاملة استثنائية”.
ورغم محاولتها ربط تعاونها بشروط سياسية، حذّرت منظمات تضم ناجيات من جرائم إبستين من التعامل مع أقوالها “دون تمحيص شديد”، مؤكّدات في رسالة موجهة للكونغرس أن “الهدف يجب أن يكون الحقيقة والمساءلة، لا إعادة تأهيل صورة مدانة بالاتجار بالبشر”.
لا تزال القضية التي تمتد خيوطها منذ عقود لا تزال تكشف تعقيدات يمتزج فيها النفوذ بالمال والعدالة بالسياسة. وبينما تسعى الجهات الرسمية إلى إعادة بناء الثقة بمنظومة العدالة، تذكّر مأساة ضحايا إبستين والرعب الذي عاشنه بأن أي تهاون في مواجهة جرائم الاستغلال يفتح الباب لسنوات جديدة من الصمت والخوف. فالحقيقة، كما تقول الناجيات، ليست مساومة… بل حق لا يسقط بالتقادم.
قد يعجبك
من هم الـ 6 الكبار؟ مشرعون يلوحون بملاحقة شخصيات وردت أسماؤهم في ملفات إبستين “غير المحررة”
بعيداً عن زنازين القمع.. ماكسويل تثير الجدل في أحدث ظهور لها من داخل “سجن النخبة”












