وطن-في تطوّر قانوني يعيد الجدل حول سياسات الهجرة واستهداف الناشطين في الولايات المتحدة، أنهى قاضٍ مختص بشؤون الهجرة إجراءات ترحيل الباحثة التركية رُميساء أوزتورك، طالبة الدكتوراه في جامعة تافتس، بعد أشهر من معركة قانونية أثارت اهتمام الرأي العام الأمريكي والدولي. وكانت أوزتورك قد أوقِفت لأكثر من شهر العام الماضي على خلفية اتهامات تتعلق بنشاطها المؤيد لفلسطين، في إطار حملة أوسع شنّتها إدارة ترامب ضد طلاب وناشطين أجانب عبّروا عن مواقف سياسية مماثلة.
قرار قضائي يمنح أملاً جديدًا
بحسب فريقها القانوني، لم يتمكّن قسم الأمن الداخلي الأمريكي من تقديم الأدلة الكافية لإثبات قانونية ترحيل أوزتورك، ما دفع المحكمة إلى إنهاء القضية نهائيًا. وكشفت وثائق قضائية أُفرج عنها مؤخرًا أنّ الحكومة الأمريكية لم تكن تمتلك أيّ دليل على تورّطها في أنشطة مرتبطة بالإرهاب، مشيرة إلى أنّ قرار إلغاء تأشيرتها واعتقالها جاء بعد نشرها مقالًا ينتقد سياسات إسرائيل.
ما بين العدالة والانتهاك
وفي بيان عقب صدور القرار، قالت الباحثة التركية: “أتنفس اليوم الصعداء، وأنا أعلم أنّ قضيتي على الرغم ما شابها من ثغرات، قد تمنح الأمل لمن تعرّضوا للظلم من قبل الحكومة الأمريكية”. وأضافت أنّ المعاناة التي عاشتها هي وآلاف النساء اللواتي احتُجزن تعسفًا “لن تُمحى، لكن من المشجّع أن نرى العدالة تلوّح أخيرًا”.
من جانبها، وصفت محاميتها محسة خانباباي الحكمَ بأنه “تأكيد قوي على أنّ سيادة القانون لا تزال قائمة”، مؤكدة أنّ القاضي تعامل مع الوقائع بدقة، وأنّ هذا القرار “يذكّر بأن تنفيذ قوانين الهجرة يجب أن يكون دائمًا محكومًا بروح العدالة لا الاعتبارات السياسية”.
خلفية الواقعة
تعود فصول القضية إلى مارس 2025 حين أوقِفت أوزتورك قرب منزلها في مدينة سومرفيل بولاية ماساتشوستس، بعد أن ألغت السلطات تأشيرتها الدراسية. ووثق مقطع مصوّر مشهدًا صادِمًا لأفراد من الشرطة الفدرالية يحيطون بها وهي تصرخ خوفًا، ما فجّر موجة غضب واسعة في الأوساط الأكاديمية وحقوق الإنسان.
في الوقت ذاته، كتب وزير الخارجية ماركو روبيو على منصة “إكس” أنّ الإدارة ستباشر «إلغاء تأشيرات أو بطاقات الإقامة لأيّ شخص يساند حماس داخل الولايات المتحدة». كما زعمت متحدّثة باسم وزارة الأمن الداخلي أنّ الطالبة”شاركت في أنشطة داعمة لمنظمة أجنبية إرهابية”، وهي مزاعم لم تثبت لاحقًا أمام القضاء. ووصف متحدث آخر باسم الوزارة حكم المحكمة بأنه “تدخّل قضائي لإبقاء متعاطفة مع الإرهاب داخل البلاد”.
دوافع الاتهام وردود الفعل
أتى اعتقال أوزتورك بعد عام من نشرها مقالًا مشتركًا في صحيفة جامعية ينتقد ردّ جامعة تافتس على الحرب في غزة، وهو نصّ قال محاموها إنّه سبب مباشر في استهدافها سياسيًا وانتهاك حقوقها الدستورية في حرية التعبير. واعتبرت مذكّرة صادرة عن وزارة الخارجية لاحقًا أن تأشيرتها أُلغيت لأن «أنشطتها ربما خلقت بيئة معادية للطلاب اليهود وأظهرت دعمًا غير مباشر لمنظمة مصنّفة إرهابية».
وشهدت مدينة سومرفيل في 26 مارس 2025 تظاهرات ضمّت مئات المناصرين الذين طالبوا بإطلاق سراحها، رافعين شعار «الحرية للطلاب». وبحسب محاميها، تعرّضت الباحثة خلال تنقّلها بين مراكز الاحتجاز في ولايات مختلفة لأزمات ربو متكررة دون الحصول على رعاية طبية كافية.
تداعيات أوسع
لم تكن أوزتورك الحالة الوحيدة؛ فقد واجه عدد من الطلاب الأجانب اتهامات مشابهة ضمن حملة أمنية استهدفت أصواتًا أكاديمية ناقدة، في ما اعتبره مراقبون محاولة لبثّ الخوف داخل المجتمع الجامعي الدولي. لاحقًا، أمر قاضٍ فيدرالي إدارة ترامب في مايو الماضي بالإفراج عنها فورًا، محذرًا من أن استمرار احتجازها «يهدد بإسكات ملايين الأشخاص في الولايات المتحدة ممن لا يحملون الجنسية».
بعد أسابيع مرهقة من الاحتجاز، عادت الباحثة إلى ولايتها بموجب قرار قضائي أصدره القاضي الفدرالي ويليام ك. سيشنز الثالث الذي أكد أن استمرار حبسها لا يستند إلى مبرّر قانوني.
رسالة ختامية
تسلّط قضية رُميساء أوزتورك الضوء على التوازن الدقيق بين الأمن القومي وحرية التعبير، وعلى التحديات التي يواجهها طلاب وباحثون أجانب عندما تصبح آراؤهم جزءًا من نزاع سياسي أوسع. وبينما انتهت معركتها القضائية بانتصار رمزي، تبقى رسالتها إلى الرأي العام مؤثرة: أن العدالة قد تتأخر، لكنها تظلّ ممكنة حين تُواجه الانتهاكات بالشجاعة والإصرار.
اقرأ المزيد
بعد عام من الاحتجاز.. صرخة استغاثة للفلسطينية “لقاء كوردية” إثر تدهور وضعها الصحي في سجون أمريكا.












