وطن-في مشهد لا تزال كندا بأكملها تحاول استيعابه، استيقظت بلدة تمبلر ريدج الواقعة عند سفوح جبال الروكي في مقاطعة كولومبيا البريطانية على واحدة من أكثر المآسي دموية في تاريخها الحديث، إثر إطلاق نار داخل مدرسة ثانوية أودى بحياة تسعة أشخاص على الأقل وأصاب العشرات بجروح متفاوتة.
مأساة في بلدة صغيرة
لم تكن البلدة التي لا يزيد عدد سكانها على 2400 نسمة تتخيّل أن تتحول هدوءها المعتاد إلى ساحة تحقيقات وأحزان. فبعد ظهر الثلاثاء، هرعت فرق الشرطة إلى المدرسة الثانوية فور تلقيها بلاغات عن إطلاق نار، لتجد ستة قتلى داخل المبنى، فيما توفي شخص آخر أثناء نقله إلى المستشفى. كما عُثر على جثتين إضافيتين في منزل داخل البلدة، يُعتقد أنّ مطلق النار نفسه هو من قتلهما قبل أن ينهي حياته داخل المدرسة.
أفادت الشرطة بأن المشتبه بها – وهي امرأة ذات شعر بني بحسب التحذير الطارئ الذي وصل إلى هواتف السكان – وُجدت جثةً بعد أن أصابت نفسها بطلق ناري. ولم تفصح السلطات عن مزيد من التفاصيل حول هويّتها أو عمرها، كما امتنعت عن إعلان أسماء الضحايا أو تحديد ما إذا كان بينهم أطفال.
صدمة في مجتمع مترابط
في بلدة صغيرة يعرف فيها الجميع بعضهم، كانت الصدمة عارمة. قال رئيس البلدية داريل كراكوكا: “أنا أعرف كلّ فرد خسِرناه اليوم. هذه ليست مجرد بلدة بالنسبة لي، إنها عائلتي”. المدرسة الثانوية التي شهدت المأساة تضم فقط 175 طالبًا من الصف السابع حتى الثاني عشر، ما جعل الحادث مأساة شخصية لكل بيت.
الطالب دارين كويست في الصف الثاني عشر وصف اللحظات الأولى قائلاً إن صفّ الإنذار دوّى فور بدء الدوام، وحين أدرك الطلاب أنّ الأمر ليس تدريبًا، سارعوا إلى تحصين الأبواب بالمقاعد. وخلال دقائق، بدأت تصلهم صور صادمة مما يجري في الممرات، تُظهر دماءً وفوضى عارمة، قبل أن تتولى قوات الشرطة إجلاء الطلاب إلى خارج المبنى.
كانت والدة دارين تنتظر في موقف السيارات، يعتريها القلق بعدما سمعت من أحد زملائها في العمل عن إطلاق النار. قالت لاحقًا: “لم أتخيل يومًا أن يحدث ذلك هنا. لم أشعر بالاطمئنان حتى رأيت ابني بأمّ عيني بين الناجين”.
بلد يندر فيه العنف المسلح
تُعدّ حوادث إطلاق النار الجماعي نادرة في كندا، التي تشتهر بقوانين صارمة لتنظيم السلاح مقارنة بجارتها الولايات المتحدة. وتشير إحصاءات رسمية إلى أنّ 38% من جرائم القتل في كندا عام 2023 ارتُكبت باستخدام السلاح، مقابل 76% في الولايات المتحدة. كما تُقدّر نسبة امتلاك السلاح في كندا بنحو 35 قطعة لكل مئة شخص، مقابل 121 قطعة في الولايات المتحدة.
الشرطة لم تكشف بعد عن نوع السلاح المستخدم، إلا أنّ القانون الكندي يحظر اقتناء البنادق الهجومية من الطراز الذي استُخدم في عدد من حوادث إطلاق النار المميتة في المدارس الأميركية.
صدى وطني واستعادة لذكريات أليمة
أعادت المأساة إلى الأذهان حادثة كلية “إيكول بوليتيكنيك” في مونتريال عام 1989، حين قتل رجل مسلح 14 امرأة، ما أدى إلى نقاش وطني حول العنف ضد النساء وتشديد قوانين السلاح.
وفي مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء، قال رئيس وزراء كولومبيا البريطانية، ديفيد إيبي، إن ما حدث “أشبه بالأحداث التي نسمع عنها في أماكن بعيدة، لا في مجتمعاتنا الصغيرة”. وأضاف: “لا نستطيع أن نتخيل حجم الألم، لكن كلّنا الليلة نضمّ أبناءنا إلينا أكثر من أي وقت مضى”.
إجراءات وتحقيقات جارية
أعلنت السلطات التعليمية تعليق الدراسة في مدارس البلدة حتى نهاية الأسبوع، فيما تواصل الفرق الشرطية جمع الأدلة وفحص دوافع المهاجمة التي لا تزال غامضة حتى الآن. وأكد قائد الشرطة المحلية، كين فلويد، أنّ تحديد الأسباب “سيكون تحديًا صعبًا”، مشيرًا إلى أنّ التحقيق يتركّز على تسلسل الأحداث وطبيعة الهجوم.
هذه الفاجعة هي الثانية من نوعها في كولومبيا البريطانية خلال أقل من عام، بعد حادثة دهس في مهرجان للفلبينيين بمدينة فانكوفر أودت بحياة 11 شخصًا.
تضامن ورسائل تعزية
عضو البرلمان عن دائرة “بيس ريفر ساوث”، لاري نيوفيلد، وصف الحادث بأنه “مروّع ومؤلم للقلب”، مؤكدًا أنّ “أثره يمتد إلى كل من يعيش هنا، إذ تجمعنا روابط أقوى من الحدود”. كما عبّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن تعازيه عبر منصة “إكس”، قائلاً إنّ أفكاره وصلواته تتوجه إلى العائلات التي فقدت أحباءها جراء هذا العنف المفزع.
ما زالت تمبلر ريدج تتلمّس طريقها وسط الحزن والذهول، فيما يلتفّ سكانها حول بعضهم علّهم يجدون عزاءً في تضامنهم. وفي بلد يُعرف بالأمان والسكينة، تبقى هذه الحادثة تذكيرًا قاسيًا بأن مأساة واحدة قد تكفي لترك جرح غائر في الذاكرة الوطنية.
اقرأ المزيد
من منصات التتويج إلى زنزانة الـ FBI.. القصة الكاملة لاعتقال الأولمبي الهارب ريان ويدينغ












