وطن-في خطوة أعادت إحياء الجدل حول قضية جيفري إبستين، أعلنت وزارة العدل الأميركية عن رفع السرية جزئيًا عن بعض وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، كاشفةً للمرة الأولى عن أسماء ثلاثة أشخاص كان يُشار إليهم في السابق باعتبارهم “متآمرين محتملين” ضمن الملف المعقّد لرجل الأعمال الراحل. الخطوة جاءت عقب انتقادات حادّة من عدد من المشرّعين الذين اتهموا الوزارة بالتقاعس عن تطبيق قانون “شفافية ملفات إبستين” الذي أقرّه الكونغرس العام الماضي.
نزاع تشريعي حول الشفافية
برزت القضية إلى العلن بعدما وجّه عضوا الكونغرس توماس ماسي (جمهوري من كنتاكي) ورو خانا (ديمقراطي من كاليفورنيا) انتقادات علنية لوزارة العدل على خلفية حجبها لأسماء كانت مذكورة في وثيقة داخلية مؤرخة في 15 أغسطس/آب 2019، صادرة عن قسم التحقيقات الجنائية في الـFBI. الوثيقة تضمنت إشارة إلى الملياردير الأميركي ليس ويكسنر، الرئيس التنفيذي الأسبق لشركة “فيكتوريا سيكريت”، باعتباره أحد المتورطين المزعومين.
وصف ماسي عملية الحجب بأنها “غير مبررة”، معتبرًا أن الوزارة انتهكت القانون الجديد الذي يُلزمها بنشر كافة ملفات إبستين. وفي منشور على منصة “إكس”، تساءل ماسي: “هذا اسم معروف لرجل أعمال متقاعد… لماذا تصر وزارة العدل على إخفائه؟”.
رد وزارة العدل
ردّ نائب المدعي العام تود بلانش بتوضيح عبر بيان قال فيه إن الوثيقة المعنية تحتوي أيضًا على أسماء ضحايا يُفترض حمايتهم، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الوزارة أزالت الحجب عن اسم ويكسنر لأن اسمه ورد بالفعل آلاف المرات في الملفات الأخرى. وأضاف: “وزارة العدل لا تخفي شيئًا”.
الأسماء الأربعة المكشوفة
أظهرت النسخة المحدّثة من وثيقة عام 2019، أن ثمانية أشخاص أدرجوا بوصفهم “متآمرين”، من بينهم أربعة كُشف عن هوياتهم وهم:
- ليـس ويكسنر، الرئيس التنفيذي الأسبق لـ”فيكتوريا سيكريت”.
- ليزلي غروف، السكرتيرة السابقة لإبستين.
- جان-لوك برونيل، وكيل عارضات أزياء فرنسي توفّي عام 2022 في سجن فرنسي أثناء محاكمته بقضية اعتداء على قاصر.
- غيلين ماكسويل، التي كانت الشخص الوحيد الذي حوكم في هذا الملف، وتقضي حاليًا عقوبة بالسجن لمدة 20 عامًا لإدانتها بتهم تتعلق بالاتجار الجنسي بالقاصرات.
أما الأسماء الأربعة الأخرى فما زالت محجوبة، إذ أشارت ملفات أخرى إلى أن بعضهم قد يكون من ضحايا إبستين الذين تعاوَنوا لاحقًا مع المحققين.
خلفية العلاقات القديمة
في بيان صدر عن ممثليه القانونيين، أكد فريق ويكسنر أن السلطات أبلغت محاميه عام 2019 بأن موكله “لم يكن هدفًا للتحقيق ولا مشتبهاً به”، مشيرين إلى أنه تعاون بشكل كامل مع السلطات وقدّم معلومات عن إبستين قبل أن تنقطع الاتصالات معه.
ويعود ارتباط ويكسنر بإبستين إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين أوكله إدارة أمواله الخاصة. إلا أن ويكسنر قال لاحقًا إنه أنهى تلك العلاقة بعد اتهامات إبستين بالاعتداء على قاصرات في فلوريدا، مضيفًا أنه اكتشف بعد ذلك “استيلاء إبستين على مبالغ طائلة من أموالي”.
اتساع دائرة الجدل
الجدل لم يتوقف عند هذا الحد، إذ أشار النائب ماسي بعد زيارته الأخيرة لمقر وزارة العدل إلى ما زعم أنه بريد إلكتروني يعود إلى عام 2019 كتبه إبستين وتضمّن إشارة إلى “سلطان”، مطالبًا الوزارة بنشر الاسم الكامل. ورد بلانش موضحًا أن الجزء المحجوب هو في الحقيقة عنوان بريد إلكتروني، وأن الاسم الكامل – وهو سلطان أحمد بن سليم، رجل الأعمال الإماراتي المعروف – مذكور بالفعل في الملفات الأخرى غير المنقّحة.
ولم يصدر تعليق فوري من شركة “موانئ دبي العالمية”، التي يرأسها بن سليم، على الاتصالات التي جمعته بإبستين، كما لم توجَّه إليه أي اتهامات ذات صلة. وكانت وكالة “أسوشيتد برس” قد ذكرت عام 2005 أن شركة بن سليم كانت منخرطة في مشاريع عقارية مع منظمة ترامب، قبل أن يتم إلغاؤها لاحقًا.
إخفاقات في عملية النشر
وزارة العدل أقرت من جانبها بوجود “أخطاء غير متعمدة” في عملية نشر أكثر من 3.5 مليون صفحة من الملفات. وقال متحدث باسم الوزارة إن بعض الأسماء قد تكون حُجبت عن طريق الخطأ أو بقيت مكشوفة رغم وجوب حجبها، داعيًا الضحايا والجمهور إلى إبلاغ الوزارة بأي ملاحظات لتصحيحها “بشكل فوري ويومي”.
كما أوضح البيان أن أربعة من الأسماء الستة التي أشار إليها النائبان ماسي وخانا لا تظهر إلا في وثيقة واحدة من بين آلاف الوثائق، فيما ورد اسم ويكسنر نحو مئتي مرة، واسم سلطان بن سليم أكثر من 4700 مرة.
خلفية تشريعية
وُقّع القانون الذي استند إليه المشرّعان في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بعد أن أثار تقرير مشترك من الـFBI ووزارة العدل موجة غضب في الكونغرس بسبب تأكيده أنه “لم يتبين وجود أدلة تبرّر تحقيقات إضافية بحق أطراف لم تُوجَّه إليها اتهامات”. هذا التقرير دفع المشرّعين إلى إقرار قانون يُلزم بالكشف الكامل عن الملفات، باستثناء ما يمس الضحايا أو التحقيقات الجارية.
النائب خانا ألقى كلمة أمام مجلس النواب هذا الأسبوع أعلن فيها أسماء ستة أشخاص، من بينهم ويكسنر وبن سليم، معتبرًا أن حجبها مخالف للقانون، لأن النص التشريعي لا يسمح بإخفاء سوى هوية الضحايا. وفي المقابل، عبّر بعض الناجين من جرائم إبستين عن غضبهم لأن بياناتهم الشخصية نُشرت دون إذنهم.
قضية لم تُغلق بعد
ورغم مرور خمس سنوات على وفاة إبستين في زنزانته في نيويورك عام 2019، بعدما وُجهت إليه تهم الاتجار الجنسي بالقاصرات، فإن تداعيات القضية ما زالت تثير تساؤلات حول دوائر النفوذ التي أحاطت به، وحول كيفية إدارة العدالة لملف شائك يمتد لعقود.
القضية اليوم لم تعد مجرد سرد قضائي، بل تحوّلت إلى امتحان لمدى التزام السلطات الأميركية بمعايير الشفافية والعدالة، وإلى تذكير متواصل لضحايا إبستين بأن العدالة، وإن تأخرت، يجب أن تبقى حقاً لا يسقط بالتقادم.
اقرأ المزيد
فضيحة قانونية مدوية.. كيف ساعد أحد أشهر المحامين في أمريكا جيفري إبستين في ابتزاز ضحاياه؟
القائمة السوداء تتسع.. ماكسويل تكشف: 25 شخصية نافذة اشتروا صمت ضحايا إبستين بتسويات سرية؟












