وطن-يشهد القطاع الصحي في العالم مرحلة دقيقة في التعامل مع مرض الزهايمر، إذ يقترب اعتماد أول علاج دوائي أثبت فعاليته في إبطاء تطور المرض، بينما يدعو الخبراء إلى إعادة هيكلة أنظمة التشخيص والتعامل مع المرضى لتواكب هذا التحول المنتظر.
تشخيص متأخر يبدّد فرص العلاج المبكر
يؤكد أخصائيو طب الأعصاب أن معظم حالات الزهايمر تُكتشف في مراحل متقدمة، مما يُفقد المريض فرصة الاستفادة من أي علاج محتمل. وتشير بيانات الجمعية الإسبانية لطب الأعصاب إلى أن ما يقارب 30% من الحالات تُشخَّص بشكل خاطئ، إما بسبب الخلط بينها وبين أنواع أخرى من الخرف أو نتيجة التقصير في تطبيق الفحوص الدقيقة.
ويعود السبب، بحسب خبراء شاركوا في تقرير قُدم إلى البرلمان الإسباني بدعم من مؤسسة باسكوال ماراغاي، إلى غياب التعجل في إبلاغ المريض بتشخيص الزهايمر، إذ يعتقد بعض الأطباء أن لا جدوى من تسريع الكشف عن مرض لا يُعرف له علاج شافٍ بعد.
ثورة في أدوات التشخيص
لطالما اعتمد الأطباء على اختبارات معقدة ومكلفة مثل البزل القَطَني، والتصوير بالرنين المغناطيسي أو بالأشعة المقطعية لتأكيد الإصابة. غير أن التطور العلمي أتاح مؤخرًا وسيلة أبسط وأكثر دقة: تحليل دم قادر على تحديد مؤشرات الزهايمر خلال بضعة أسابيع فقط.
هذه الفحوص باتت قيد الاستخدام في كبرى المستشفيات، ويأمل المتخصصون أن تُعمّم قريبًا على المراكز الصحية كافة. وتُظهر نتائجها مستويات عالية من الدقة، مع إمكانية الكشف عن الخطر قبل ظهور الأعراض بما يصل إلى 20 عامًا.
من الخوف إلى الأمل
في السابق، كان الأطباء يتحاشون إبلاغ المريض بإمكانية الإصابة قبل سنوات طويلة من ظهور الأعراض، لما لذلك من تبعات نفسية صعبة في ظل غياب أي علاج فعّال. أما اليوم، ومع بروز خيارات علاجية جديدة، فقد أصبح للكشف المبكر معنى مختلف.
إذ تبيّن أن الدماغ يتمتع بقدرة لـ«المرونة العصبية» تسمح بتحسين وظائفه في المراحل الأولى، كما تُجرى حاليًا أبحاث كثيرة لاختبار وسائل تساعد على تعزيز هذه القدرات.
دواء جديد يغيّر المعادلة
من بين تلك التطورات، يبرز دواء ليكانيماب (Lecanemab)، الذي يحمل الاسم التجاري Leqembi™، والمُعتمد مؤخرًا في الولايات المتحدة والمُرتقب إقراره في أوروبا. وقد أظهر الدواء قدرة على إبطاء التدهور المعرفي بنسبة تصل إلى 27% خلال 18 شهرًا من العلاج، شرط أن يُستخدم في بداية ظهور المرض. وتشير التقديرات إلى أن نسبة قليلة فقط من المصابين — نحو 1% في إسبانيا — يمكن أن يستفيدوا منه، لكن بالنسبة لهم يمثل هذا الأمل الوحيد المتاح.
وعلى الرغم من الجدل الذي صاحب الدواء في بدايته بسبب مخاوف من آثار جانبية كالنزيف الدماغي، فإن الدراسات اللاحقة في الولايات المتحدة واليابان لم تثبت مخاطر جديدة، ما مهّد الطريق لاعتماده أوروبيًا.
الوقاية: السلاح الأول ضد الزهايمر
وعلى الرغم من التطلعات إلى العلاجات الدوائية، يشدد العلماء على أن الوقاية تبقى الوسيلة الأنجع لتفادي المرض. ويقول الدكتور أركادي نافارو، عالم الوراثة ورئيس مؤسسة باسكوال ماراغاي، إن “الزهايمر ليس قَدَرًا وراثيًا لا مفر منه، فقد أثبتت الأبحاث إمكانية تقليل خطر الإصابة به باتباع أساليب حياة صحية”.
ويقدّر الخبراء أن 40 إلى 45% من الحالات يمكن تجنّبها أو تأجيلها عبر الوقاية المبكرة، التي تشمل النشاط البدني، والنظام الغذائي المتوازن، والتحكم في ضغط الدم والسكري، وتحفيز النشاط العقلي والاجتماعي.
مستقبل يَعِد بتحولات جذرية
يتزامن هذا التقدم العلمي مع أكثر من 150 تجربة سريرية تُجرى حاليًا حول العالم بحثًا عن علاجات جديدة. ويرى المختصون أن الجمع بين التشخيص المبكر والوقاية الفعّالة والأدوية الموجّهة يمكن أن يغيّر مستقبل الزهايمر خلال سنوات قليلة.
ومع توقع تضاعف عدد المرضى في العقود المقبلة في ظل الشيخوخة السكانية — حيث يتجاوز عدد المصابين اليوم نصف مليون شخص في إسبانيا وحدها — تبدو الحاجة إلى الاستعداد المسبق أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
ختامًا، يذكّر الباحثون بأن المعركة ضد الزهايمر لا تقتصر على المختبرات، بل تبدأ في وعي المجتمع نفسه. فالكشف المبكر والرعاية الإنسانية والوعي بالوقاية هي الخطوة الأولى نحو مستقبل تقلّ فيه المعاناة وتزداد فيه فرص العيش بكرامة، حتى في مواجهة أكثر الأمراض تحديًا.
اقرأ المزيد
تأثير الضوضاء على الجسم: 6 مخاطر صحية لا تعرفها عن العيش في عالم صاخب
السرطان لم يعد مرض كبار السن فقط.. دراسة تكشف الأسباب الصادمة وراء إصابة الشباب












