وطن-أثار الجدل الدائر حول نشر ملفات قضية جيفري إبستين مجددًا أسئلة معقدة حول حدود الشفافية ومسؤولية المؤسسات في حماية الأبرياء من التشويه, بعدما اتضح أن بعض الأسماء التي أُثيرت في نقاشات الكونغرس الأميركي لا علاقة لها بالقضية، بل وردت عرضًا ضمن إجراءات تحقيق روتينية. هذه الواقعة فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول ما إذا كانت المطالبة بالكشف الكامل عن الوثائق الجنائية تضمن العدالة فعلاً، أم أنها قد تتحول إلى سيفٍ يطال أبرياء لا ذنب لهم.
سياق القضية
قبل أسابيع قليلة، تزايدت المطالبات في واشنطن بالكشف عن جميع ملفات إبستين، بما في ذلك رسائل البريد الإلكتروني، وتقارير لم تثبت صحتها، ووثائق تحقيقات موسعة. واعتبر نواب في الكونغرس أن هذا الإجراء يمثل خطوة غير مسبوقة في تاريخ العدالة الأميركية، ويحمل مخاطر جسيمة على حياة أشخاص قد تُذكر أسماؤهم عرضًا أو في سياق غير دقيق.
ما حدث فعليًا
خلال جلسة في مجلس النواب، ذكر النائب رو خانا ستة أسماء قيل إنها لشركاء مزعومين لإبستين في جرائم الاتجار بالبشر، مستندًا إلى ملاحظات وردت في ملفات التحقيق. لاحقًا اتضح أن أربعة من هؤلاء—سالفتوري نوارا، زوراب ميكلادزه، ليونيد ليونوف، ونيكولا كابوتو—لم تكن تربطهم أي صلة بالقضية. فقد تبين أنهم ظهروا فقط ضمن “صف تعريفي مصوّر” أعدته النيابة العامة في منطقة نيويورك الجنوبية كجزء من إجراءات التعرف على المشتبه بهم، وهي ممارسة متعارف عليها تُستخدم لمساعدة الشهود في تحديد هوية الجناة.
النائب خانا أوضح لاحقًا عبر منصة إكس (تويتر سابقًا) أنه يقدّر عمل الصحفيين الذين كشفوا هذا الالتباس، معربًا عن أسفه لأن وزارة العدل لم توضح هذه التفاصيل قبل رفع السرية عن الأسماء. وقال إن الإجراء المتسرع تسبب في إرباك للرأي العام، وألحق ضررًا بأربعة رجال أبرياء، كما أربك جهود الدفاع عن الضحايا الحقيقيين، منتقدًا ما وصفه بتقاعس السلطات عن حماية الجميع بالقدر ذاته من العدالة.
تحذيرات سابقة وتأكيدات لاحقة
جدير بالذكر أن النائب توماس ماسي، الذي كان قد تحدث عن الأسماء نفسها، أشار في وقت سابق إلى أن سبب حجب بعضها قد يكون بالفعل ارتباطها بإجراءات التعرف الشرطي، وهو ما تبيّن لاحقًا أنه صحيح. بالمقابل، حذّر النائب كلاي هيغينز من فلوريدا، وهو الوحيد الذي صوّت ضد “قانون شفافية ملفات إبستين”، من خطورة الكشف الواسع عن وثائق التحقيقات، مؤكدًا أن ذلك “ينسف إرث 250 عامًا من الإجراءات القضائية في أميركا، وقد يعرّض آلاف الأبرياء للأذى، سواء كانوا شهودًا أو أقارب أو أشخاصًا ذُكروا في سياق عابر”.
البعد الإنساني والتوعوي
هذه الواقعة ليست مجرد خطأ سياسي أو إعلامي، بل تذكير قاسٍ بحاجة المجتمعات إلى التوازن بين حق الجمهور في المعرفة وحق الأفراد في الكرامة الشخصية. فالتسرع في نشر الملفات الجنائية من دون تحرٍّ أو تحقق قد يؤدي إلى وصم أبرياء للأبد، بينما يضيع ضحايا الجرائم الحقيقية وسط ضوضاء الاتهامات المتسرعة.
في النهاية، تكشف أزمة ملفات إبستين أن العدالة لا تقوم فقط على فضح الجريمة، بل أيضًا على حماية الحقيقة من التسرّع، وصون سمعة الأبرياء من عواقب سوء الفهم. الشفافية مطلب مشروع، لكنها تظل مسؤولية دقيقة تتطلب حكمة وإدراكًا لعواقب الكلمة قبل أن تُقال، والوثيقة قبل أن تُنشر.
اقرأ المزيد
حفلة “عيد الحب”.. وثائق وزارة العدل تكشف تفاصيل دعوة دكتور أوز لـ إبستين بعد خروجه من السجن
سقوط “أيقونة” الفكر.. كيف هوت علاقة نعوم تشومسكي مع إبستين بتاريخه الأخلاقي؟
كيف تغلغل إبستين في النظام التعليمي؟ تساؤلات حول استخدام مدارس هيوستن لخدمة تصوير مشبوهة












