وطن-بعد شهور من توقف أصوات القصف، ما زال الغزيون يذوقون طعم الموت بأشكال مختلفة. فالموت في غزة لم يعد يأتي فقط من الطائرات أو البنادق، بل من الجوع والبرد والمرض والعزلة. وبينما ترفع إسرائيل شعار “إعادة الإعمار مقابل نزع السلاح”، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام خيار قاسٍ بين البقاء أحياء جسديًا أو الحفاظ على جوهر قضيتهم الوطنية.
أزمة ما بعد الحرب
منذ وقف إطلاق النار قبل أربعة أشهر، لم تتوقف تداعيات الحرب الأخيرة عن حصد الأرواح. فسياسات الحصار القائمة منذ سنوات تحوّلت إلى أداة ضغط جديدة، توظفها إسرائيل لفرض معادلة سياسية وأمنية تهدف إلى إخضاع سكان القطاع عبر تحويل الأزمة الإنسانية إلى وسيلة عقاب جماعي.
هذا التحول، بحسب مراقبين، لم يأتِ من فراغ، بل يعكس استمرار الفكر الاستعماري الذي يرى في التجويع والعقاب الجماعي أدوات “فعّالة” للسيطرة. فبعد فشل سياسة التدمير العسكري في كسر إرادة المقاومة، انتقل الضغط إلى ميدان الحياة اليومية، حيث تصبح كل قطرة ماء أو لقمة خبز جزءًا من معركة البقاء.
شروط الإعمار: الثمن السياسي للنجاة
تربط كل من إسرائيل والولايات المتحدة إعادة الإعمار في غزة بشرط نزع سلاح فصائل المقاومة، وهو مطلب يُقدَّم بوصفه “خطوة ضرورية لتحقيق السلام”، لكنه في جوهره، وفق ما يرى محللون فلسطينيون، محاولة لاستكمال مشروع الإقصاء القومي المستمر منذ عام 1948.
فالموافقة على نزع السلاح تعني، بحسب هذا الطرح، انتحارًا وطنيًا أكثر منه خيارًا سياسيًا؛ إذ يُنظر إلى المقاومة بوصفها الشكل الوحيد المتبقي لحماية الوجود الفلسطيني في ظل غياب ضمانات دولية حقيقية.
من تبرير الحرب إلى شرعنة الحصار
خلال الحرب الأخيرة، استخدمت إسرائيل قضية الأسرى الإسرائيليين ذريعة لتبرير تدميرها الواسع للبنية المدنية في غزة، بما شمل المستشفيات والمدارس ودور العبادة. وعندما انتهى ملف الأسرى تقريبًا، انتقلت الذريعة إلى سلاح المقاومة الذي صار عنوانًا لتجميد أي أمل في إعادة الإعمار.
ومثلما كان ملف الأسرى سببًا لإطلاق الحرب، أصبح اليوم وجود بنادق قليلة أو حتى أدوات بدائية ذريعة لاستمرار الحصار وتجويع السكان بحجة “إزالة التهديد”. وهكذا، يتحول نزع السلاح إلى مشروع إستراتيجي طويل المدى تبرر به إسرائيل بقاءها كقوة احتلال دون تكلفة مباشرة.
جذور الفكرة: الاستيطان كمنهج إلغاء
منذ تأسيسها عام 1948، قامت الحركة الصهيونية على منطق إحلالي يعتبر الأرض خالصة لشعب واحد ودولة واحدة. فالتطهير العرقي الذي رافق النكبة – بتدمير أكثر من 500 بلدة وتهجير ما يفوق 80 في المئة من سكانها الأصليين – لم يكن حدثًا عابرًا، بل تجسيدًا لرؤية أيديولوجية ترى في استئصال الوجود الفلسطيني شرطًا لقيام الدولة.
واليوم، تواصل هذه الرؤية حضورها بأشكال جديدة، من “تهويد القدس” عبر مصادرة المنازل وتغيير الأسماء العربية للشوارع، إلى محاولات طمس الذاكرة الثقافية والدينية التي تربط الفلسطينيين بأرضهم.
المحو المادي والمعنوي
لم يعد الهدف مقتصرًا على السيطرة الجغرافية، بل تعداه إلى محو الارتباط التاريخي والروحي بين الإنسان الفلسطيني وأرضه. ويصف باحثون هذا النهج بأنه “إحلال بارد”، إذ يسعى الاحتلال إلى إدارة حياة الفلسطينيين ككائنات بيولوجية خاضعة لا كذوات سياسية لها حقوق وتطلعات.
إنها محاولة لتحويل الفلسطيني إلى كائن يعيش بحدود البقاء فقط، محروم من الأمل والمستقبل، في ظل تجويع مدروس وحصار محكم. وهكذا يصبح فقدان السلاح مقدمة لفقدان الوعي بالذات والقدرة على الاعتراض.
غزة والمقاومة: الإرادة التي لم تُكسر
حين خرجت أحداث 7 أكتوبر إلى العلن، رأت إسرائيل فيها تحديًا وجوديًا، لأنها كشفت أن سبعة عقود من الاحتلال لم تنجح في كسر روح المقاومة. فغزة، رغم الحصار الذي تجاوز 17 عامًا، ما زالت مثالًا على صمود الناجين لا المستسلمين.
ولعل هذا ما جعل الحرب الأخيرة أكثر قسوة، إذ لم تكتفِ باستهداف البنية التحتية بل سعت إلى كسر الروح الجماعية التي تغذي فكرة المقاومة، عبر الإيغال في المجازر لتصبح الرسالة واضحة: أن ثمن التمسك بالكرامة يفوق حدود الاحتمال الإنساني.
بين الحياة والهوية
يواجه الفلسطيني اليوم معادلة مستحيلة: إما القبول بسقف المعيشة الأدنى، مقايضًا حقه في تقرير مصيره، وإما الإصرار على حقه في المقاومة وتحمل نتائج ذلك من حصار وموت وبؤس. والنتيجة في الحالتين متقاربة؛ إذ يسعى الاحتلال إلى تجريد الفلسطيني من مكانته كفاعل سياسي وتحويله إلى مجرد “موضوع أمني” يُدار لا يُفاوض.
لكن التاريخ الفلسطيني القريب والبعيد يؤكد أن البقاء مجرّدًا من الكرامة لا يُعد بقاءً. فكما قال أحد المثقفين الفلسطينيين الراحلين، “من يختار الحياة بلا معنى، يموت مرتين”.
خاتمة: طرق لا تزال تُطرق
في أحد أشهر رموز الأدب الفلسطيني، رواية رجال في الشمس لغسان كنفاني، يموت اللاجئون صامتين لأنهم لم يجرؤوا على الطرق على جدران الخزان. يشبّه كثيرون حال الفلسطينيين اليوم بتلك الصورة؛ إما أن يستمروا في الطرق على جدار الرفض حتى نيل حريتهم، أو أن يصمتوا إلى الأبد داخل خزان الحصار.
وبين بقاء الجسد أو بقاء القضية، يواصل الفلسطينيون معركتهم اليومية لإثبات أن الحياة التي تُنتزع من إنسانيتهم ليست حياة، وأن المقاومة – مهما تغير شكلها – تبقى فعلًا ضروريًا لصون معنى الوجود نفسه.
اقرأ أيضاً
مخطط إسرائيلي جديد: كيف تسعى تل أبيب لإنهاء فكرة الدولة الفلسطينية عبر خنق الضفة؟
تفريغ الهوية الفلسطينية من المناهج التعليمية واغتيال الذاكرة الوطنية












