وطن-في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بتداعيات الأوبئة الحديثة وأزمات المناخ، يرفع علماء الصحة العامة جرس إنذار جديد بشأن خطرٍ غير مرئي يتنامى في صمت، ويهدد بأن يصبح أكثر فتكًا من السرطان خلال العقود المقبلة: إنه وباء مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية، أو ما يُعرف اختصارًا بـ AMR.
خطر يتسع بصمت
خلال اجتماع علمي عُقد في دافوس السويسرية في يناير الماضي، دعت مؤسسة “فرونتيرز”، الرائدة في نشر الأبحاث العلمية عالميًا، مجموعة من الخبراء وصنّاع القرار لمناقشة التحديات الصحية الكبرى. وخلال إحدى الجلسات، أكدت فانينا لوران-لدرو، المديرة التنفيذية للشؤون الصحية والحكومية في معهد “مريو” وشركة bioMérieux، أن العالم يقف على أعتاب جائحة جديدة «قد تتجاوز في ضحاياها أعداد مرضى السرطان بحلول عام 2050»، موضحة أن «أحدًا لا يتحدث عنها رغم خطورتها المتزايدة».
ووصفت أديل جيمس، الشريكة المؤسسة والرئيسة التقنية لشركة التكنولوجيا الحيوية “فاجوس”، الوضع الحالي بأنه «جائحة صامتة» تتفاقم دون أن يلاحظها الكثيرون.
كيف تنشأ المقاومة؟
توضح مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة أن الكائنات الدقيقة — من بكتيريا وفطريات — تمتلك قدرة مدهشة على تطوير آليات دفاع ضد الأدوية المصممة للقضاء عليها. ويؤدي هذا التحوّل إلى جعل كثير من العلاجات المعتادة غير فعّالة، كما يمكن لتلك الميكروبات أن تنقل هذه القدرات المقاومة إلى غيرها، ما يزيد من تعقيد المشكلة.
ويُعدّ اعتماد الطب الحديث على المضادات الحيوية ركناً أساسياً في العمليات الجراحية وعلاجات العدوى الخطيرة. وتشير تقديرات علمية إلى أن الابتكار في المضادات الحيوية ساهم في رفع متوسط عمر الإنسان بأكثر من 20 عامًا خلال القرن الماضي. ومع ذلك، يبدأ هذا الإنجاز بالانحسار أمام الانتشار الواسع للمقاومة الدوائية.
أين يكمن الخطر؟
تؤكد التقارير العلمية أن سوء استخدام المضادات الحيوية أو الإفراط في وصفها يُعدّ من الأسباب الرئيسة لتسارع مقاومة الميكروبات. فكثير من العدوى الشائعة — كنزلات البرد والإنفلونزا والتهاب الحلق الفيروسي — لا تحتاج أصلاً إلى مضادات حيوية، ومع ذلك تُصرف ملايين الوصفات غير الضرورية كل عام، ويُقدّر الباحثون أن نحو ثلثها في الولايات المتحدة لا مبرر له طبيًا.
كما تشير الدراسات إلى أن العوامل البيئية، مثل الجسيمات البلاستيكية الدقيقة وتلوث الهواء، قد تسهم في تسريع تطور هذه المقاومة، ما يزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى السيطرة عليها.
الأمل في حلول جديدة
على الرغم من الصورة القاتمة، برزت في دافوس مؤشرات تدعو إلى الأمل، إذ ناقش العلماء إمكانية تطوير علاجات مستندة إلى “العاثيات” — وهي فيروسات طبيعية تهاجم البكتيريا — كأحد الأساليب الواعدة لمواجهة الميكروبات المقاومة. غير أن الخبراء شددوا في الوقت ذاته على ضرورة التركيز على الوقاية، بدءًا من ترشيد استخدام المضادات الحيوية، مرورًا بالممارسات الصحية السليمة مثل غسل اليدين، وانتهاءً بتعزيز الثقة بالبيانات والعلم لضمان استجابة جماعية فعّالة.
مسؤولية مشتركة
ويخلص الباحثون إلى أن مستقبل الصحة العالمية سيتوقف على مدى استعداد الأنظمة الصحية والحكومات والمجتمعات للتحرك الآن، قبل أن يتحوّل هذا “الوباء الصامت” إلى أزمة إنسانية واسعة النطاق. فكل تأخير في المواجهة يعني فقدان أرواح كان من الممكن إنقاذها بممارسات أكثر وعيًا ومسؤولية.
اقرأ المزيد
5 أطعمة تسبب “ارتجاع الطعام” المزعج.. تجنبها لراحة معدتك وتخلص من سوء المذاق.
تحذير طبي: 30% من حالات الزهايمر تُشخص بالخطأ.. إليك التفاصيل عن الدواء المنقذ
السرطان لم يعد مرض كبار السن فقط.. دراسة تكشف الأسباب الصادمة وراء إصابة الشباب












