وطن-في سرد مؤلم يعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا المثيرة للجدل في العقدين الأخيرين، تروي الشابة الجنوب أفريقية جولييت براينت تفاصيل لقائها الأول برجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، الذي ارتبط اسمه بسلسلة من جرائم الاتجار بالبشر والاعتداء الجنسي. قصتها، التي كشفتها حديثًا عبر وسائل إعلام أمريكية، تعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهريًا عن الكيفية التي استطاع بها إبستين بناء شبكة نفوذ تمتد عبر القارات، مستغلًا أحلام الشابات وفرص العمل الزائفة.
كانت براينت في العشرين من عمرها حين التقت إبستين للمرة الأولى في مدينة كيب تاون، حيث كانت تدرس علم النفس والفلسفة وتعمل في عرض الأزياء بدوام جزئي. تصف تلك الليلة بأنها بداية سلسلة من الأحداث التي غيرت مسار حياتها بالكامل. فخلال إحدى السهرات، اقتربت منها شابة مجهولة لتعرض عليها لقاء “رجل أمريكي مؤثر” قالت إنه صديق لعدد من المشاهير، من بينهم الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون والممثل كيفن سبيسي والكوميدي كريس تاكر.
تقول براينت إنها وافقت على مرافقتها إلى أحد المطاعم القريبة حيث كان يجتمع هؤلاء الأشخاص بالفعل. وتضيف أن لقاءها بهم لم يستغرق أكثر من بضع دقائق، ولم تشهد أي تصرف مريب من أي منهم، لكنها تلقت في اليوم التالي اتصالاً من الفتاة نفسها أبلغتها فيه أن إبستين يرغب في الاطلاع على ملفها المهني الخاص بعروض الأزياء.
منذ تلك اللحظة، بدأت براينت تدرك حجم النفوذ الذي يملكه إبستين؛ إذ تولّى مكتبه، خلال أيام قليلة، ترتيب إجراءات سفرها إلى الولايات المتحدة، بما في ذلك تأشيرة الدخول وتذاكر الطيران. وتقول إنها استغربت سهولة حصولها على التأشيرة في وقت وجيز، وهو أمر غير مألوف في جنوب أفريقيا، مشيرة إلى أن كل التكاليف كانت تُدار مباشرة من قبل فريق إبستين، مع وعد باقتطاعها من أرباح عملها المفترض في أمريكا.
غير أن الرحلة التي كانت تتوقعها بداية لمستقبل مهني واعد، تحوّلت سريعًا إلى كابوس. فبعد وصولها إلى نيويورك قيل لها إنها ستغادر إلى الكاريبي للمشاركة في جلسة تصوير. وتوضح أنها استقلت طائرة خاصة من مطار تيتربورو، دون أي تفتيش أو تحقق من أوراق السفر. هناك، صودرت جوازات سفرهن، وتحوّل ما ظنّته “فرصة” إلى جريمة مروعة: اعتداء جنسي واحتجاز قسري انتهى بتهريبها إلى جزيرة إبستين الخاصة. وتقول بأسى: “أدركت حينها أنني لم أسافر إلى فرصة عمل، بل تم اختطافي وخداعي بالكامل”.
تصف براينت السنوات التالية بأنها مرحلة اتجار ممنهج استغلّها إبستين خلالها ضمن شبكة معقدة، كانت تجنّد الشابات بذريعة العمل في عروض الأزياء. وتشير الوثائق التي اطلعت عليها وسائل إعلام أمريكية إلى أن رسائل إلكترونية متعددة تؤكد وجود نمط متكرر في مساعدته فتيات من دول مختلفة – بينها دول من أوروبا الشرقية – في الحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة.
وتتزامن رواية براينت عن لقائها الأول مع إبستين مع فترة موثقة استخدم فيها الأخير طائرته الخاصة لنقل الرئيس الأسبق بيل كلينتون وفريقه خلال رحلة إلى أفريقيا عام 2002، خصصت لدعم مبادرات “مؤسسة كلينتون” في مكافحة فيروس الإيدز وتعزيز التنمية الاقتصادية في القارة. وتُظهر سجلات الرحلات الجوية أن الوفد توقف في خمس دول أفريقية، من بينها جنوب أفريقيا، وهو ما يتوافق زمنياً مع شهادة براينت.
نفى كلينتون، من جانبه بشكل قاطع أي زيارة لجزيرة إبستين الخاصة في جزر العذراء الأمريكية، وأكد في إفادة رسمية أمام لجنة الرقابة في مجلس النواب الأمريكي في يناير الماضي أن استخدامه لطائرة إبستين اقتصر على أغراض إنسانية مرتبطة بنشاط المؤسسة الخيرية، مشددًا على أنه لم يتواصل معه منذ أكثر من عقد قبل اعتقال الأخير عام 2019.
وفي السياق ذاته، أعلن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك مطلع الشهر الجاري عن تشكيل فريق تحليلي للتحقيق في احتمال تعرض أطفال بولنديين لانتهاكات ضمن شبكات إجرامية مرتبطة باسم إبستين، مع الإشارة إلى نية بلاده البحث في مزاعم اتصال تلك الشبكات بجهات استخباراتية روسية.
اليوم، وبعد سنوات من الصمت، باتت براينت واحدة من الناجيات اللواتي حصلن على تعويض من “برنامج تعويض ضحايا إبستين” عام 2020، إضافة إلى تسوية منفصلة مع مصرف “جي بي مورغان تشيس” في عام 2023. لكنها تقول إن استعادة العدالة تبقى عملية طويلة، إذ لا يمكن لأي تعويض مادي أن يمحو سنوات الألم.
قصة جولييت براينت تذكير مؤلم بخطورة الوعود اللامعة التي قد تخفي وراءها استغلالًا منظمًا، وبأهمية تعزيز وعي الشابات بحقوقهن ووسائل حماية أنفسهن من شبكات الإتجار العابرة للحدود. فبين الحلم بفرصة عمل والحقيقة القاسية التي واجهتها، تتجسد المأساة الإنسانية التي تتجاوز شخصًا واحدًا لتسلّط الضوء على ضرورة تصدي المجتمع الدولي لكل أشكال الاستغلال التي تتخذ من الطموح غطاءً ومن النفوذ وسيلةً.
اقرأ المزيد
كيف تغلغل إبستين في النظام التعليمي؟ تساؤلات حول استخدام مدارس هيوستن لخدمة تصوير مشبوهة
سقوط “أيقونة” الفكر.. كيف هوت علاقة نعوم تشومسكي مع إبستين بتاريخه الأخلاقي؟












