وطن-بعد أعوام من وفاة الممول الأمريكي جيفري إبستين داخل زنزانته عام 2019، بينما كان ينتظر محاكمته في قضايا اتجار بالبشر لأغراض جنسية، أعاد الكشف الأخير لوزارة العدل الأمريكية لأكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المرتبطة به فتح جروحٍ لم تلتئم بعد. فالملفات التي تضمنت رسائل إلكترونية وسجلات مالية ومراسلات شخصية، أطلقت موجة جديدة من الضغوط والاستقالات والاعتذارات العلنية، لتطال أسماء من عالم المال والسياسة والثقافة.
وعلى الرغم من أن أيًّا من الأسماء الواردة لم تُتهم بالمشاركة في جرائم إبستين نفسها، إلا أن مضامين الوثائق كشفت عن علاقات وارتباطات مريبة، واتصالات ودية استمرت حتى بعد إدانته عام 2008 بجرائم جنسية.
تساقط التسميات الوظيفية في مؤسسات كبرى
أصابت أولى التسريبات القطاع المالي الأمريكي. فقد قدّمت كاثرين رويميلر، المستشارة القانونية العامة لبنك “غولدمان ساكس”، استقالتها بعد أسابيع من الجدل حول مراسلاتها مع إبستين. وأظهرت الوثائق أنها قدمت له مشورة قانونية بشأن دعاوى أقامتها نساء ضده، وتبادلت معه هدايا فاخرة، من بينها حقيبة “هيرمس” تبلغ قيمتها أكثر من 9300 دولار. ورويميلر قالت عند إعلان استقالتها إن واجبها “يقتضي وضع مصالح المؤسسة فوق أي اعتبار شخصي”، معربة عن ندمها على علاقتها السابقة بالممول المدان.
وفي سابقة أخرى، أقدم المحامي الشهير براد كارب على التنحي من رئاسة مكتب المحاماة الدولي “بول وايس”، معللًا قراره بأن تقارير الصحافة حول صلته بإبستين شكّلت “تشتيتًا مؤسفًا” للعمل. الوثائق كشفت أنه تعاون مع إبستين لمراقبة امرأة كانت على خلاف مع أحد عملائه، وهو الملياردير ليون بلاك. كما أظهرت المراسلات زياراته إلى قصر إبستين في مانهاتن وطلبه مساعدته في إيجاد وظيفة لابنه مع المخرج الأمريكي وودي آلن.منابر الإعلام والعلوم لم تسلم من العاصفة
هذا وطالت الرياح أيضًا عالم الطب والإعلام، حيث أعلن الطبيب وخبير “طول العمر” بيتر أتيا انسحابه من منصبه كمدير علمي لشركة أغذية صحية، وقطع صلته بشركة متخصصة بتقنيات النوم. جاءت الاستقالة عقب نشر رسائل إلكترونية تبادلها مع إبستين خلال العقد الماضي، حمل بعضها عبارات غير لائقة بحق النساء. أتيا قال في بيان علني إن تلك المراسلات كانت “مخزية وغير مقبولة”، مؤكدًا أنه لم يرتكب أي مخالفة قانونية.
مسؤولون حكوميون في دائرة الأسئلة
لم تقتصر التداعيات على القطاع الخاص، إذ يواجه هوارد لتنيك، وزير التجارة الأمريكي، دعوات من الحزبين الجمهوري والديمقراطي للاستقالة بعد ظهور رسائل تبيّن أنه خطط لزيارة جزيرة إبستين عام 2012 برفقة عائلته. ورغم تأكيده أمام مجلس الشيوخ أن الزيارة لم تتجاوز ساعة واحدة، فإن الوثائق أظهرت تواصلاً ماليًا واستثماريًا متزامنًا مع تلك الرحلة. البيت الأبيض دافع عن الوزير، مؤكدًا أن صلاته بالإبستين كانت محدودة وانقطعت قبل سنوات.
وفي عالم الرياضة، يخضع ستيف تِش، مالك فريق “نيويورك جاينتس”، لمراجعة داخل “الاتحاد الوطني لكرة القدم الأمريكية” بعد نشر مراسلات له مع إبستين تعود لعام 2013 تضمنت أحاديث حول نساء وأعمارهن وجنسياتهن. تِش عبّر عن ندمه على تلك المراسلات، مؤكدًا أن جميع النساء اللواتي ورد ذكرهن كنّ بالغات.
ارتدادات في عالم الثقافة والإعلام
أعلن رجل الأعمال ووكيل المشاهير كيسي وسمان في فبراير 2026 بيع وكالته الفنية بعد أن ورد اسمه في الوثائق. وقد انسحب عدد من الفنانين من التعاون معه، منهم اللاعبة الأمريكية السابقة آبي وامباك والمغنية تشابل روآن، عقب الكشف عن رسائل تبادلية ذات طابع شخصي بينه وبين غيلين ماكسويل، شريكة إبستين السابقة في قضايا الاتجار. وسمان أعرب في رسالة لموظفيه عن “أسفه الشديد على تصرفات شخصية قديمة سببت حرجًا للوكالة وللعاملين فيها”، مؤكدًا أنه سيكرّس جهده حاليًا للإشراف على تنظيم دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس 2028.
وفي بريطانيا، أغلقت مؤسسة خيرية ترأسها سارة فيرغسون، زوجة الأمير السابق أندرو، أبوابها بعد جدل واسع سببه نشر مراسلات دافئة بينها وبين إبستين أثناء قضائه عقوبة السجن عام 2009، وصفته فيها بـ”الأخ الذي تمنّت أن يكون لها دائمًا”. فيرغسون كانت قد عبّرت سابقًا عن “ندم عميق” على أي علاقة سابقة به.
السياسة البريطانية تحت المجهر
لم تستثن الملفات التي فجّرت العاصفة عبر الأطلسي طبقة الساسة في لندن. فقد أعلن بيتر ماندلسون، الدبلوماسي البارز والحليف السابق لرئيسي الوزراء السابقين توني بلير وغوردون براون، استقالته من منصبه كسفير للمملكة المتحدة لدى الولايات المتحدة وانسحابه من حزب العمال بعد أن أظهرت الرسائل أنه أطلع إبستين على معلومات حكومية حسّاسة، شملت تعديلات ضريبية وخطط إنقاذ مالية أوروبية. كما كشفت الوثائق أن إبستين حوّل مبالغ مالية لزوج ماندلسون. الشرطة البريطانية أكدت فتح تحقيق في الواقعة، فيما نفى ماندلسون ارتكابه “أي عمل غير قانوني”، معتبرًا ما حدث “خللًا في التقدير”.
وفي خضم ذلك، قدّم مورغان ماكسويني، كبير موظفي رئيس الوزراء كير ستارمر، استقالته، معلنًا تحمّل المسؤولية كاملة عن ترشيح ماندلسون للسفارة. وقال في بيانه: “المسؤولية العامة تُمارس حين يكون ثمنها حقيقيًا، لا حين تكون مريحة”.
صدى دولي يصل إلى الخليج والقطاع الفندقي
من الشرق الأوسط، أعلنت شركة “دي بي وورلد” الإماراتية عن تغييرات قيادية في فبراير 2024، شملت تعيين عيسى كاظم ويوفراج ناراين في منصبي الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة، بدلاً من سلطان أحمد بن سليم، بعد تسريب رسائل بين الأخير وإبستين. إحدى الرسائل وصفت العلاقة بينهما بأنها “صداقة شخصية وثيقة”، فيما تضمّنت أخرى تعبيرات مسيئة حول إحدى الطالبات التقاها بن سليم في دبي. الشركة لم تُعلّق على مضمون الرسائل، واكتفت بتأكيد انتقال القيادة “ضمن خطة تنظيمية جديدة”.
وفي الولايات المتحدة، أعلن توماس بريتزكر، رئيس مجلس إدارة مجموعة فنادق “حياة”، تقاعده المبكر في فبراير 2026 بعد الإشارة إلى ارتباط سابق بينه وبين كلٍّ من إبستين وماكسويل. وقال في رسالة وجهها إلى مجلس الإدارة إنه “يتحمّل كامل المسؤولية عن تقصير في الحكم على الأمور”، مضيفًا أن حماية المؤسسة “تقتضي الاعتراف بالأخطاء قبل أن تتحول عبئًا على سمعتها”.
إرث ثقيل ووجوه تتنكر للماضي
ما تكشفه الوثائق ليس مجرد سرد لحياة رجل ثري غامض، بل مرآة لأثره المتشعب في دوائر النفوذ المالي والسياسي والإعلامي حول العالم. ومع كل اسم يُضاف إلى قائمة المتأثرين، تتسع رقعة التساؤلات حول طبيعة العلاقات التي سمحت لإبستين بالحركة في أروقة السلطة رغم سجله الجنائي.
وقد يكون الدرس الأبرز من هذه السلسلة من الاعتذارات والاستقالات هو أنّ علاقات الماضي، مهما بدت عابرة، يمكن أن تُلقي بظلالها الثقيلة حين تتكشف الحقائق. وبينما يجد كثيرون أنفسهم أمام محاكم الرأي العام، تبقى قضية إبستين تذكيرًا صريحًا بأن التهاون في القيم الأخلاقية قد يكون كلفته أكبر من أي حساب مالي أو منصب رفيع.
اقرأ المزيد
هل خُدع العالم؟ “شركاء إبستين” ليسوا سياسيين كباراً بل مجرد أشخاص عاديين!
تصاعد الجدل في الإمارات حول سياسات محمد بن زايد وارتباط مسؤولين بقضية إبستين
سقوط “أيقونة” الفكر.. كيف هوت علاقة نعوم تشومسكي مع إبستين بتاريخه الأخلاقي؟












