وطن-في أوقات متفرقة قد يشعر المرء بأن ذهنه لم يعد يعمل بالحدة المعتادة، أو يجد صعوبة في تذكّر محادثة قريبة أو في اقتناص الكلمة المناسبة في الوقت المناسب. قد تمرّ هذه اللحظات مرور الكرام أحيانًا، لكنها تتحول إلى مصدر قلق عندما تصبح حالة شبه دائمة يصفها الأطباء بما يُعرف بـ«ضباب الدماغ».
ظاهرة يصعب رصدها لكن أثرها واضح
ضباب الدماغ ليس مرضًا بحد ذاته، بل حالة من الارتباك الذهني أو ضعف التركيز تصيب الذاكرة وسرعة التفكير. وتتفاوت شدتها من شخص لآخر. تقول البروفيسورة لي تشارفيت، أستاذة علم الأعصاب بجامعة نيويورك غروسمان، إن كثيرًا من المصابين يجدون صعوبة في وصف التغيرات التي تطرأ على قدراتهم الإدراكية لأنها لا تُقاس بدقة حتى الآن. وتوضح أن المفارقة تكمن في أن بعض المرضى يحققون نتائج طبيعية في اختبارات القدرات المعرفية، رغم أنهم يعانون في حياتهم اليومية من بطء في التفكير وصعوبة في التركيز.
أما الباحثة ديان فون آ، أستاذة التمريض بجامعة ولاية أوهايو، فدرست تأثير علاج السرطان الكيميائي على وظائف الدماغ. وتؤكد أن فحوصات التصوير الدماغي تُظهر تغيّرات هيكلية ووظيفية حقيقية قد تفسر معاناة بعض المرضى من ضباب الدماغ، ما يثبت أن الأعراض ليست مجرّد شعور نفسي أو مؤقت.
الأسباب المحتملة: التهابات وأمراض مزمنة وضغوط حياتية
لا يملك العلماء تفسيرًا قاطعًا لهذه الحالة، إلا أن ضباب الدماغ غالبًا ما يكون عرضًا مرافقًا لمشكلات أخرى مثل العدوى الفيروسية أو العلاج الكيميائي. وقد رُصد بعد جائحة «كوفيد-19» كأحد الأعراض الطويلة الأمد للمرض؛ إذ أظهرت دراسة أن 22% من المتعافين واجهوا مشكلة إدراكية بعد مرور ثلاثة أشهر على الإصابة.
تربط فون آ هذه الظاهرة بالالتهابات المزمنة، موضحة أن أمراض المناعة الذاتية — ومنها داء كرون، والتهاب العضلات الليفي، والذئبة الحمراء، والتصلب المتعدد — قد تُحدث التهابات تمتد إلى الدماغ وتؤثر في وظائفه التنفيذية. كما يمكن أن ينجم ضباب الدماغ عن السرطان، أو العدوى، أو التوتر النفسي. وفي حالات أخرى، يُضعف المرض المزمن أو الألم المستمر موارد الجسم التي يحتاجها الدماغ للحفاظ على نشاطه الطبيعي.
ويشير الأطباء إلى أن الاكتئاب، والتغيرات الهرمونية أثناء الحمل أو سنّ اليأس، واضطرابات النوم، والافتقار إلى الفيتامينات والمعادن، وتناول بعض الأدوية، بل وحتى عمليات القلب، قد تسهم جميعها في تشويش التفكير وتباطؤ الأداء الذهني.
كيف نميّز ضباب الدماغ؟
يصعب تشخيص الحالة نظرًا لغموض أعراضها وتفاوتها، لكنّ الإشارات الأكثر شيوعًا تشمل ضعف التركيز، وبطء الاستجابة، وصعوبة اتخاذ القرارات، ونسيان الأسماء والمواعيد، بالإضافة إلى شعور عام بالإرهاق الذهني.
غالبًا ما تظهر هذه الأعراض مؤقتًا بعد السفر الطويل أو استخدام بعض أدوية الحساسية، وتختفي سريعًا. إلا أن استمرارها أو تأثيرها الواضح في الحياة اليومية يستدعي مراجعة الطبيب.
توضح فون آ أن التعامل مع المسببات المباشرة — مثل اضطرابات النوم أو الاكتئاب أو الألم — يساعد على استعادة صفاء الذهن. أما تشارفيت فتنصح بمراقبة توقيت ظهور الضباب الذهني وربطه بأي أعراض مرضية أخرى، لتسهيل عملية التشخيص والعلاج.
خطوات عملية لتحسين صفاء الذهن
على الرغم من أن الأطباء لم يتوصلوا إلى علاج محدّد لضباب الدماغ، فإن تبني بعض العادات الصحية يمكن أن يخفّف من حدته:
- الحفاظ على نظام غذائي متوازن.
- النوم من سبع إلى ثماني ساعات يوميًا.
- ممارسة التأمل أو تمارين الامتنان لزيادة الوعي الذهني.
- تنشيط الدماغ بأنشطة معرفية، مثل حلّ الألغاز أو تعلّم مهارة جديدة كالعزف على آلة موسيقية.
كذلك يمكن اللجوء إلى برامج تدريب الدماغ الرقمية التي تستهدف تحسين التركيز وسرعة اتخاذ القرار بإشراف علمي متخصص.
ضباب الدماغ ليس حالة خيالية أو نفسية عابرة، بل مؤشر صحي يدفعك إلى الانتباه إلى نمط الحياة اليومية والصحة العامة. كما أن إدراك الأعراض مبكرًا والتحدث مع الطبيب عند استمرارها قد يكونان المفتاح لفهم السبب الكامن وراءها واستعادة صفاء الذهن والتوازن الذاتي.
اقرأ المزيد
سبعة أطعمة تعزز صحة الدماغ وتحافظ على ذاكرتك مع التقدم في العمر
ظاهرة “الباريدوليا”: لماذا يرى دماغك وجوهاً في القهوة والسحاب وحتى الجدران؟
تجاهلها خطر! 6 علامات خفية تخبرك أن جسدك “يصرخ” طلباً للراحة












