وطن-تشهد أرض الصومال (صوماليلاند) نقاشًا واسعًا بعد إعلان إسرائيل اعترافها بالمنطقة كدولة مستقلة عن الصومال، في خطوة أثارت ردود فعل متباينة داخل الإقليم وخارجه، ودفعت الرئيس السابق موسى بيهي عبدي إلى مطالبة الحكومة بالإفصاح الكامل عن تفاصيل الاتفاق الذي أفضى إلى هذا الاعتراف المثير للجدل.
دعوة للشفافية وتحذير من المساس بالهوية الدينية
في رسالة مصوّرة وجّهها إلى الشعب قبل أيام، شدد موسى بيهي عبدي، الذي لا يزال يحتفظ بنفوذه السياسي والاجتماعي استنادًا إلى توازنات عشائرية داخل الإقليم، على أن دستور صوماليلاند يحظر تمامًا أي إجراء يمس الدين الإسلامي أو يضرّ بالمسلمين. وقال إن واجب الحكومة «أن توضّح للرأي العام مضمون ما تم الاتفاق عليه مع إسرائيل»، مؤكدًا أنه في حال تضمّن الاتفاق بنودًا تتعارض مع الدستور أو تضرّ بأي مكوّن إسلامي «فسوف يتم رفضه بشكل قاطع».
وبيّن عبدي، وهو ضابط سابق في سلاح الجو الصومالي خلال فترة الحكم العسكري، أنّ بلاده لا يمكن أن تتخذ خطوات تنتهك مبادئ الإسلام أو تستفيد من معاناة المسلمين، مضيفًا: «دستورنا واضح، وأي اتفاق يخالف قيمنا أو يضرّ المسلمين يعدّ باطلاً ومرفوضًا».
مزاعم حول بنود الاتفاق وتضارب حول القواعد العسكرية
وعلى الرغم من مرور أسابيع على إعلان تل أبيب اعترافها بأرض الصومال في السادس والعشرين من ديسمبر الماضي، لم تكشف حكومة هرجيسا رسميًا عن تفاصيل الاتفاق. غير أن رئيس الصومال حسن شيخ محمود أكد أكثر من مرة أنّ ما تم التوصل إليه يشمل نقل فلسطينيين من قطاع غزة إلى الإقليم وإقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية هناك.
وفي يناير، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن ديقة قاسم، وهي مسؤولة في وزارة الخارجية في هرجيسا، إشارتها إلى أن إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية قيد النقاش، لكن ذلك «مرتبط بمضمون التفاهم النهائي وافتتاح سفارتين متبادلتين». وقد سارعت سلطات أرض الصومال إلى نفي قبولها بأي ترتيبات لتوطين فلسطينيين أو إقامة قواعد إسرائيلية، مؤكدة تمسكها بسيادتها وقرارها الوطني.
ومع ذلك، يرى معلقون سياسيون أنّ إسرائيل ما كانت لتعترف بالإقليم من دون ضمان مصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر، حيث تتصاعد المنافسة الإقليمية خاصة مع إيران وحلفائها في المنطقة.
ردود فعل دينية وسياسية غاضبة
في الأوساط الدينية داخل هرجيسا، أثار الإعلان موجة رفض لاعتباره «تطبيعًا مع دولة تمارس احتلالًا على الأراضي الفلسطينية». وأوضح الشيخ مصطفى هارون، أحد أبرز العلماء في صوماليلاند، أن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل «تعد انتهاكًا صارخًا لأن الأخيرة لا تزال تحتل أرضًا إسلامية».
أما على المستوى الشعبي، فقد خرجت تظاهرات حاشدة رفضًا لقرار إسرائيل، شملت العاصمة مقديشو وعددًا من المدن مثل بورما غربي أرض الصومال. وامتد صدى الاعتراض إلى منظمات مسلحة في المنطقة؛ إذ أعلنت حركة الشباب في الصومال وجماعة الحوثي في اليمن نيتهما مقاومة أي وجود إسرائيلي في القرن الإفريقي.
تحذيرات إقليمية ودعوات للتهدئة
لم تتأخر المواقف الرسمية في دول الجوار؛ فخلال مؤتمر صحفي مشترك في أديس أبابا مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القرار الإسرائيلي بأنه «خطوة تهدد استقرار منطقة تعاني أصلًا توترات سياسية وأمنية»، مؤكدًا أن «القرن الإفريقي لا يحتمل أن يتحول إلى ساحة صراع للقوى الأجنبية».
كذلك دان الاتحاد الإفريقي، في ختام قمّته الأخيرة بالعاصمة الإثيوبية، اعتراف إسرائيل بصوماليلاند، واعتبره «إجراءً أحاديًا يهدد وحدة الصومال ويقوّض الجهود الإقليمية في حفظ الأمن والتنمية»، مطالبًا تل أبيب بالتراجع عن القرار.
رسائل توعوية وخاتمة
تسلّط هذه التطورات الضوء على هشاشة التوازنات في منطقة القرن الإفريقي، حيث تتقاطع الحسابات السياسية مع الانتماء الديني والمصالح الجغرافية. وبينما تتباين المواقف بشأن مستقبل العلاقة مع إسرائيل، يبقى إجماع القيادات الصومالية والدينية واضحًا على ضرورة احترام الدستور وحماية هوية المجتمع المسلم من أي مساس.
ففي ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة، يبدو أن الشفافية والالتزام بمبادئ الدستور هما الطريق الأسلم للحفاظ على استقرار أرض الصومال ومنع انزلاقها إلى صراعات جديدة، تضاف إلى ما تعانيه المنطقة من أزمات متعددة الأوجه.
قد يعجبك
مشروع الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ودلالاته الجيوسياسية في البحر الأحمر
زيارة سرية بين رئيس أرض الصومال وإسرائيل تكشف صفقة الاعتراف واتفاقات تتجاوز الدبلوماسية












