وطن-في خضم التوتر السياسي بين السعودية والإمارات، تظل المصالح الاقتصادية بين البلدين أكثر تشابكًا مما قد يبدو على السطح، إذ تتقاطع الاستثمارات والموانئ والمصالح اللوجستية في مشهد يعكس تعقيد العلاقات الخليجية الحديثة.
شراكة اقتصادية رغم الخلاف السياسي
وسط أجواء من الفتور بين الرياض وأبوظبي، أعلنت شركة «موانئ دبي العالمية» عن بيع جزء من حصتها في المحطة الجنوبية للحاويات بميناء جدة الإسلامي لشركة الشحن الدنماركية «إيه بي مولر–ميرسك». بموجب الاتفاق، ستحصل «ميرسك» على حصة أقلية تبلغ 37.5 في المئة، فيما تحتفظ «موانئ دبي العالمية» بنسبة 62.5 في المئة وتواصل إدارة العمليات في الميناء الحيوي على ساحل البحر الأحمر.
على الرغم من أن الصفقة تمثل خطوة اقتصادية بحتة من حيث الشكل، فإن توقيتها يلفت الانتباه؛ إذ تأتي في خضم احتدام الخلافات السياسية والإعلامية بين أكبر اقتصادين في مجلس التعاون الخليجي.
خلفية التوتر الإقليمي
لا يقتصر الخلاف السعودي–الإماراتي على الملفات الاقتصادية فحسب، بل يمتد إلى ملفات إقليمية حساسة، أبرزها البحر الأحمر واليمن والسودان. فقد تبنت كل من الرياض وأبوظبي مواقف متباينة في تلك الساحات، في حين تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة تراشق بين مؤيدين من الجانبين.
في المقابل، تصاعدت مؤخرًا انتقادات بعض الشخصيات السعودية للعلاقات الوثيقة بين الإمارات وإسرائيل، بينما كشفت تقارير أن أبوظبي مارست ضغوطًا عبر جماعات ضغط موالية لإسرائيل في الولايات المتحدة لانتقاد السعودية بتهم معاداة السامية.
تشابك اقتصادي يصعب فصله
وعلى الرغم من هذا التوتر، لا يمكن تجاهل عمق الارتباط الاقتصادي بين البلدين. فالإمارات تُعدّ من أبرز مصادر الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السعودية، كما تمثل سوقًا رئيسية لصادرات المملكة. ويمثل امتلاك الإمارات لمشروع ضخم في ميناء جدة دليلاً واضحًا على هذا الترابط الذي يصعب فكّه حتى في فترات الخلاف.
تُعد شركة «موانئ دبي العالمية» واحدة من أهم أدوات النفوذ الاقتصادي الإماراتي في الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث تدير موانئ استراتيجية تمتد من الخليج إلى القرن الأفريقي. ومن أبرز استثماراتها ميناء بربرة في إقليم أرض الصومال، الذي حظي باعتراف إسرائيل كدولة مستقلة في أواخر عام 2025، وهو الاعتراف الذي أدانته السعودية وعدة دول عربية، بينما التزمت أبوظبي الصمت تجاهه.
تغييرات إدارية وظلال من الجدل
كانت الشركة الإماراتية كانت في الآونة الأخيرة محور جدل آخر بعد الكشف عن علاقات سابقة لرئيسها التنفيذي ورئيس مجلس إدارتها السابق سلطان أحمد بن سليم مع الراحل جيفري إبستين، الذي أُدين في قضايا استغلال جنسي للأطفال. وقد تولى عيسى كاظم رئاسة مجلس الإدارة ويوفراج ناراين منصب الرئيس التنفيذي في فبراير الماضي، في خطوة وُصفت بإعادة هيكلة داخلية لتعزيز الشفافية وتخفيف تبعات الجدل.
البحر الأحمر… ساحة تنافس مشترك
يشكّل البحر الأحمر يشكل اليوم مسرحًا للتنافس بين القوتين الخليجيتين، إذ يدعم كل طرف أطرافًا مختلفة في الصراع السوداني، بينما تتقاطع المصالح أيضًا في القرن الأفريقي، حيث تميل السعودية إلى دعم إريتريا في خلافها مع إثيوبيا، المقربة من الإمارات.
ومع ذلك، فإن المنطقة تواجه تحديًا اقتصاديًا يتمثل في «تشبّع» الموانئ، إذ أن الطاقة الاستيعابية المتزايدة لمرافئ السعودية والإمارات ومصر تتجاوز حجم الطلب الفعلي على الشحن البحري في البحر الأحمر، ما يدفع الشركات إلى البحث عن صيغ شراكة جديدة لمواصلة النشاط التجاري بكفاءة.
انعكاسات الحرب على غزة
سجّل ميناء جدة الإسلامي انخفاضًا طفيفًا في حركة الشحن خلال الأشهر الأخيرة من عام 2025، وأرجعت الإدارة ذلك إلى اضطرابات الملاحة الناجمة عن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، بالتزامن مع تصاعد الحرب الإسرائيلية على غزة، وهو ما ساهم في تباطؤ حركة التجارة الإقليمية.
على الرغم من الضبابية السياسية الذي يلفّ العلاقة بين الرياض وأبوظبي، تؤكد الوقائع الاقتصادية أن المصالح المشتركة لا تزال أقوى من الخلاف. فالموانئ، والاستثمارات، وسلاسل الإمداد العابرة للحدود تفرض واقعًا من «التكامل القسري» بين القوتين، يعكس إلى حد بعيد حقيقة أن الاقتصاد في الخليج لم يعد مجرد أداة دعم للسياسة، بل أصبح في ذاته محورًا تتقاطع عنده المصالح والاصطفافات.
اقرأ المزيد
السعودية تكسر الجسر الجوي السري للإمارات وتغيّر معادلة النفوذ في سماء الشرق الأوسط












