وطن-وسط أجواء سياسية حساسة وإرث طويل من الصراعات في الشرق الأوسط، افتُتِح في واشنطن الاجتماع الأول لما يُعرف بـ«مجلس السلام» الذي يرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في معهد أُعيدت تسميته حديثًا إلى «معهد دونالد ج. ترامب للسلام». وقد أعلن ترامب خلال الجلسة أن تسع دول شاركت في المجلس تعهدت بتقديم ما مجموعه سبعة مليارات دولار لدعم جهود الإغاثة في قطاع غزة، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لإعادة ترتيب المشهد بعد الحرب.
تعهدات بمليارات الدولارات
شملت الدول المانحة كلاً من كازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر والسعودية وأوزبكستان والكويت. وأوضح ممثلو كل من قطر والسعودية والكويت أن مساهمة بلدانهم ستبلغ مليار دولار لكل منها، بينما لم تُعلن تفاصيل دقيقة عن بقية المساهمات. وأثار ممثل أذربيجان الجدل بتأكيده على منصة «إكس» أن بلاده لم تلتزم فعليًا بالمشاركة في المبلغ الإجمالي المعلن، وإن كانت تنظر في الاستثمار بمشاريع مستقبلية داخل غزة.
وفي المقابل، كشف ترامب أن الإدارة الأمريكية ستساهم بعشرة مليارات دولار إضافية، غير أن هذا التمويل مخصص لإدارة عمليات المجلس بشكل عام، لا لمشروعات غزة حصريًا. أما الأمم المتحدة، فستتولى جمع ملياري دولار إضافيين لإسناد خطط الإغاثة الإنسانية، في حين أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عن مبادرة لجمع 75 مليون دولار لمشروعات رياضية داخل القطاع، استجابةً لدعوة الرئيس الأمريكي الذي كرّمه الفيفا العام الماضي بجائزة «السلام». والمحطة المقبلة للدعم ستكون في طوكيو، حيث ستستضيف اليابان فعالية لجمع المساعدات بحضور دول آسيوية من بينها كوريا الجنوبية والفلبين وسنغافورة.
إدارة الأموال وإشراف البنك الدولي
وُضع البنك الدولي في قلب العملية المالية بوصفه «الوصي المحدود» على أموال المجلس. وأوضح رئيس البنك، أجاي بانغا، أن مؤسسته ستدير هذه الأموال وتضمن شفافية توجيهها نحو مشاريع إعادة الإعمار والتنمية. مضيفًا أن التصنيف الائتماني المرتفع للبنك الإسلامي سيسمح بالاستفادة من أدوات التمويل الخاصة وتخفيف المخاطر عن المستثمرين. غير أن خبراء حذروا من أن المخاطر الميدانية ما تزال عالية بسبب احتمالات تجدد المواجهات العسكرية في غزة.
تعقيدات أمنية وشروط نزع السلاح
رغم تأكيد ترامب أن «الحرب في غزة انتهت»، تشير تقارير ميدانية من وزارة الصحة في غزة إلى مقتل فلسطينيين جديدين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ليرتفع عدد الضحايا منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر إلى 611، فيما تجاوزت حصيلة الحرب العامة 72 ألف قتيل.
وأوضح ترامب أن «عملية نزع السلاح» شرط أساسي لبدء الإعمار، مشيرًا إلى أنه تلقى إشارات من حركة حماس بشأن نيتها التخلي عن السلاح، قائلاً إن «من لا يلتزم سيتعرض لإجراءات حازمة». وفي الوقت نفسه، تؤكد الحركة استعدادها لعهد طويل من التهدئة إذا توفرت ضمانات لحماية غزة من أي عدوان جديد، لكنها ترفض نزع السلاح الكامل الذي تعتبره إسقاطًا لحقها في الدفاع عن نفسها.
قوة استقرار دولية وتحديات المشاركة
ضمن الجهود العسكرية غير القتالية، حصل مجلس السلام على تفويض أممي بتشكيل «قوة الاستقرار الدولية في غزة» (ISF) لحماية المدنيين وتدريب القوات المحلية والمساعدة في نزع سلاح الفصائل. لكن حساسية المهام دفعت بعض الحلفاء الغربيين إلى التردد في إرسال قواتهم. وكشف الجنرال الأمريكي جاسبر جفرز أن خمس دول—هي إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا—ستشارك بقوات في هذه القوة، على أن تتولى مصر والأردن تدريبها. وأضاف أن أولى القطاعات التي ستُنشر فيها القوة ستكون منطقة رفح.
الإدارة المحلية للقطاع
يجلس على رأس «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» (NCAG) الخبير الفلسطيني علي شعث، الذي شدّد على أن الوضع في القطاع «شديد الصعوبة»، موضحًا أن مساحات كبيرة مدمرة كليًا وأن الاحتياجات الإنسانية بلغت حدًا غير مسبوق. وأكد أن الأولوية الآن لتثبيت الأمن عبر تشكيل قوة شرطة مدنية قوامها خمسة آلاف عنصر، وإطلاق برامج اقتصادية وفرص عمل، وضمان توفير الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه ورعاية صحية وتعليم.
وقد أعلن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، المكلّف بملف نزع السلاح، عن إنشاء «مكتب الممثل الأعلى لغزة» تحت إشراف مجلس السلام، لمتابعة عمل اللجنة الوطنية وتوجيهها. ولفت إلى أن عملية تجنيد الشرطة المحلية قد بدأت فعلاً، حيث تقدّم نحو ألفي فلسطيني حتى الآن، وسيخضعون للتدريب في مصر. وشدّد على أن إخضاع جميع الأسلحة لسلطة مدنية واحدة «هو الطريق الوحيد لضمان الأمن وبداية إعادة الإعمار».
غياب غزة عن ميثاق المجلس وانتقادات دولية
المثير للجدل أن ميثاق مجلس السلام لا يورد أي إشارة صريحة لكلمتي «غزة» أو «فلسطين». كما أن الإدارة الأمريكية الجديدة تخلّت عن صيغة «حل الدولتين» بوصفها هدفًا للسياسة الخارجية، وهو تحول كبير عن نهج الإدارات السابقة. هذا الغموض أثار انتقادًا أوروبيًا واسعًا، حيث عبّرت مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، عن استغرابها من إغفال المجلس ذكر الأمم المتحدة أو القضية الفلسطينية في أساساته.
ورفضت دول أوروبية، من بينها إسبانيا، الانضمام إلى المجلس، مكتفية بإرسال ممثلين بصفة «مراقبين»، فيما غاب الفاتيكان عن الاجتماع وسُحبت دعوة كندا رسميًا. ومع ذلك، أكد ترامب أن مجلسه سيعمل «بشكل وثيق» مع الأمم المتحدة، بل وسيتولى مراقبة أدائها، معبرًا عن أمله في أن تكون المنظمة الأممية «أقوى وأكثر فاعلية في المستقبل».
بين مليارات الوعود وحقائق الدمار على الأرض، يقف مستقبل غزة أمام مفترق حاسم: إعادة إعمار مشروطة بنزع السلاح، ومبادرات إغاثة تتلاقى فيها الحسابات السياسية بالاعتبارات الإنسانية. وفي الوقت الذي تتسابق فيه الجهات المانحة على بناء مؤسسات جديدة، يبقى السؤال الأهم في الشارع الغزي: هل ستثمر هذه التحركات حياة كريمة وآمنة لأهالي القطاع، أم ستظل رهينة لمعادلات القوة والسياسة التي تحكم المنطقة منذ عقود؟
قد يعجبك
فرانشيسكا ألبانيزي تتهم قوى دولية بالتواطؤ في جرائم غزة وتواجه حملة لإسكاتها
الإمارات تسعى لإدارة غزة بدعم إسرائيلي وأمريكي وسط جدل حول الإعمار أم السيطرة
مجلس ترامب للوصاية على غزة تجميل للاستعمار الجديد وغياب للسيادة الفلسطينية












