وطن-مع نشر دفعة جديدة من وثائق القضية الفيدرالية المتعلقة بالراحل جيفري إبستين في فبراير 2026، أعيد إشعال سيل من الشائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي. تمحورت أبرزها حول استخدام كلمة «jerky» الواردة في عدد من الرسائل الإلكترونية لتفسيرٍ غريب يدّعي أنّها كانت “رمزًا سرّيًا” يشير إلى تناول لحم بشري.
لكنّ مراجعة الوثائق ذاتها، ومراسلات المتورّطين، وشهادات من عملوا مع إبستين عن قرب، كشفت أنّ تلك الادعاءات لا تستند إلى أي دليل، وأنّ الكلمة لم تكن سوى إشارة إلى “لحم البقر المجفف” — المعروف تجاريًا باسم beef jerky — وهو طعام اعتاد إبستين تناوله في فترات معيّنة من حياته.
خلفية الشائعة ومسارها الإلكتروني
بدأت القصة في 11 فبراير حين نشر مستخدم على «فيسبوك» مقطع فيديو زعم فيه أن ملفات إبستين تحتوي على «كلمة رمزية» تشير إلى “لحم الأطفال”. استند الفيديو إلى منشور قديم حُذف لاحقًا من موقع «رديت» في قسم نظريات المؤامرة، واحتوى على مقتطفات من مراسلات بريدية تم تداولها دون تحقق.
وسرعان ما انتشرت المزاعم نفسها على منصات أخرى مثل «إكس»، و«تيك توك»، و«رديت»، وارتبط اسم الشيف فرانسيس داربي بها — وهو أحد الطهاة الذين عملوا لدى إبستين لفترة قصيرة عام 2012، وكان سابقًا في مطعم نيويوركي يحمل اسمًا لافتًا: The Cannibal Beer & Butcher.
ما أثبته الواقع
التحقيقات التي أجرتها جهات تدقيق مستقلة في الملف الإلكتروني أظهرت أنّ الرسائل التي وردت فيها كلمة «jerky» كانت تتعلق بأطعمة حقيقية، وبنوع محدد من اللحوم المجففة المصنوعة من البقر أو الديك الرومي.
فقد تضمنت بعض المراسلات قوائم تسوّق مرتبطة بإبستين تضمنت منتجات معتادة مثل «جرانولا بذور الكتان» والمثلجات، إلى جانب «لحم بقري مجفف بالأعشاب الطبيعية» و«لحم ديك رومي مجفف».
بل إن بعض الرسائل أشارت إلى طرق إعداد الجِركي في المنزل بأذواق مختلفة — مدخَّنة أو محلاة أو بنكهات آسيوية — وأخرى تحدثت عن إرسال عينات إلى مختبر لتحليل قيمتها الغذائية.
وفي إحدى الرسائل المسجلة في أغسطس 2012، كتبت ليزلي غروف، وهي من مساعدات إبستين المقربات، أنّه كان يتّبع حمية غنية بالبروتين وتضم كميات كبيرة من لحم البقر المجفف، مشيرة إلى استهلاكه نحو 70 رطلاً من شرائح الستيك لصناعة الجِركي خلال أسبوعين فقط. وبحساب تحويلات الوزن، تعادل الكمية المنتَجة حوالي 17 رطلاً من الجِركي الفعلي.
لاحقًا، أوضحت مراسلات أخرى أن الشيف داربي زوّد صديقة إبستين كارينا شولاك بجِركي منزلي الصنع لتنقله أثناء سفرها إلى الجزيرة الكاريبية الخاصة بإبستين، «ليتل سانت جيمس».
شهادة الشيف داربي
داربي، الذي عمل لدى إبستين بين مايو ونوفمبر 2012، أكّد في رسالة إلكترونية أنه كان يُحضّر الجِركي من شرائح «نيويورك ستريب ستيك» المعتَّقة والمجففة. وقال إن الكلمة «لم تكن تحمل أي معنى مشفّر»، مضيفًا أن كل حديث عن “رمزية” مزعومة «عارٍ من الصحة تمامًا».
كما نفى الشيف صلة مطعم The Cannibal Beer & Butcher، الذي عمل فيه لاحقًا، بأي مفهوم غامض كما رُوّج على الإنترنت. وأوضح أن الاسم مستوحى من لقب درّاج بلجيكي شهير يُدعى «إيدي ميركس» الملقب بـ”القَنَّاص” أو “آكِل اللحوم”، وليس له أي علاقة باللحم البشري. وأشار إلى أن المطعم كان مؤسسة مفتوحة للجمهور تعمل يوميًا وتملك فروعًا في نيويورك ولوس أنجلوس، مؤكدًا أنّه لم يكن مالكًا لها، بل موظفًا ضمن طاقم الطهاة.
الشبهات المتكررة ونظريات المؤامرة
لم تكن هذه المرة الأولى التي تُربط فيها ملفات إبستين بمفردات “رمزية”. فقد سبق أن جرى تداول مزاعم مشابهة تربط كلمات مثل «بيتزا» أو «وايفير» بقضايا اتّجار بالبشر ضمن ما عُرف بـ”نظرية بيتزاغيت”، وهي من أكثر نظريات المؤامرة انتشارًا التي غذّاها مؤيدو حركة «كيو آنون». غير أنّ التحقيقات لم تسفر عن أي أدلة تدعم تلك الادعاءات، إذ ثبت أن جميع المراسلات التي استُشهد بها كانت عادية في سياقها الغذائي أو المهني.
تطورات لاحقة
رغم مغادرة داربي عمله لدى إبستين في نوفمبر 2012، استمرت الإشارات إلى الجِركي في المراسلات حتى عام 2019، وهو العام الذي توفي فيه إبستين في زنزانته بنيويورك.
وتُظهر بعض الصور التي نُشرت لفترة وجيزة على موقع وزارة العدل الأميركية — قبل حذفها — كيسًا بلاستيكيًا يحتوي على قطعة جِركي، دون توضيح إضافي أو دلالة أخرى.
تجدد هذه القصة، بما رافقها من تضخيم إلكتروني ومزاعم غير موثقة، أهمية التعامل الواعي مع المعلومات المتداولة عبر الإنترنت، خاصة عند ارتباطها بقضايا حساسة أو شخصيات مثيرة للجدل.
فبينما يسهل تحويل تفصيل بسيط — مثل ذكر نوع من الطعام — إلى مادة إشاعة واسعة الانتشار، تكشف الوقائع الموثقة أن الحقيقة غالبًا أكثر بساطة مما يتخيله صُنّاع المؤامرات.
التدقيق قبل النشر، والاعتماد على المصادر الموثوقة، يظلان خط الدفاع الأول أمام حملات التضليل في الفضاء الرقمي.
اقرأ المزيد
استغلها ورفض مساعدتها.. كيف مهدت “ناعومي كامبل” طريق إبستين لعالم المشاهير مقابل “لا شيء”؟












