وطن-في وداعٍ مؤثر غمره الحزن، يودّع الفلسطينيون ومعهم شخصيات من مختلف أرجاء العالم الدبلوماسية والثقافية ليلى شهيد، أول دبلوماسية فلسطينية وأحد أبرز الوجوه التي مثّلت القضية الفلسطينية في الساحة الأوروبية لعقود. توفيت شهيد عن عمر ناهز السادسة والسبعين في منزلها الكائن في بلدة ليك بجنوب فرنسا، وفق ما أفادت به عائلتها.
رحلة بدأت من النكبة إلى السلك الدبلوماسي
وُلدت الشهيد في بيروت عام 1949 لعائلة فلسطينية هجِّرت من مدينتي عكا والقدس خلال نكبة 1948. ومنذ سنواتها الأولى، نشأت على وعيٍ عميق بالاقتلاع والمنفى، ما شكّل البوصلة التي وجّهت نضالها ومسيرتها المهنية. درست في الجامعة الأمريكية في بيروت حيث ربطتها علاقة وثيقة بالزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي سيشكّل لاحقًا أحد أبرز محطات حياتها السياسية.
انخرطت قبل دخولها مجال الدبلوماسية، في العمل الإنساني داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، لتصبح لاحقًا أول امرأة تمثل منظمة التحرير الفلسطينية على الساحة الدولية. بدأت مهمتها الدبلوماسية ممثلة لفلسطين في إيرلندا عام 1989، ثم تولّت مهام مماثلة في كل من هولندا والدنمارك مطلع التسعينيات. وفي تلك الفترة، عادت إلى الأرض الفلسطينية للمرة الأولى بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله، حيث رافقت عرفات حتى أيامه الأخيرة عام 2004.
من باريس إلى بروكسل: حضور فلسطيني متألق
تُعَدّ فترة عمل ليلى شهيد في فرنسا (1994 – 2005) من أبرز المراحل التي رسّخت فيها حضور القضية الفلسطينية في الوعي الأوروبي، ولا سيما في الفضاء الفرانكفوني. ومع انتقالها لاحقًا لتشغل منصب المندوبة العامة لفلسطين لدى الاتحاد الأوروبي وبلجيكا ولوكسمبورغ، واصلت الدفاع عن حق شعبها في الحرية وتقرير المصير حتى تقاعدها عام 2015. وبعدها تنقّلت بين بيروت وبلدة ليك الفرنسية، محافظةً على نشاطها الفكري والإعلامي.
كانت الشهيد صوتًا مسموعًا في المنابر الفرنسية، إذ لم تتوانَ في مقابلاتها عن تذكير العالم بأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية “ليس مجرد خطوة رمزية، بل هو تأكيد على حق تقرير المصير، وهو الحق الذي لا يتحقق إلا بقيام الدولة”.
شهادات وداع من الرفاق والسفراء
انهالت كلمات الرثاء من شخصيات فلسطينية ودولية كثيرة. فقد وصفتها هالة أبو حسيرة، السفيرة الفلسطينية في فرنسا، بأنها “خسارة عظيمة لفلسطين ولمن يؤمن بالعدالة في هذا العالم”.
أما ماجد بامية، نائب المندوب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة، فقال إنها “جسّدت فلسطين في العالم الفرانكفوني”، مضيفًا: “رأيت بعيني مدى محبتها للناس، وكيف كانت تحيا بقضية شعبها، تحمل آماله ومعاناته على حدّ سواء”.
السفير الفلسطيني في المملكة المتحدة حسام زملط أشاد بها بوصفها “من أكثر الدبلوماسيين إلهامًا في تاريخ فلسطين”، مؤكّدًا أن “صوتها الراسخ سيبقى دلالة على الثبات والإيمان بالحق”.
كما استذكرت الدكتورة حنان عشراوي، زميلتها في الجامعة الأمريكية في بيروت، صداقتهما الطويلة بقولها إن العالم فقد “إنسانة استثنائية تركت بصمة عميقة بروحها التي لا تعرف التردد، وبالتزامها الذي لم يخفت يومًا”.
ومن فرنسا، روت النائبة الفرنسية ـ الفلسطينية ريمة حسن كيف تلقت اتصالًا من الشهيد عقب فوزها بمقعدها في البرلمان الأوروبي: “كلمتني كأمّ تخاطب ابنتها، قدّمت لي الدعم وشجّعتني على المضيّ قدمًا، وتحدثت عن جيل جديد من الفلسطينيين تفخر بانتمائه لوطنه أينما كان”.
كما عبّر رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا عن حزنه لرحيلها، مبيّنًا أنها “واجهت بشجاعة مظاهر العنف والظلم التي ما زال الشعب الفلسطيني يعانيها، وجعلت العالم يصغي إلى صوت فلسطين”.
حياة حافلة ومعنى للالتزام الإنساني
كانت ليلى شهيد متزوجة من الكاتب المغربي محمد برادة، ولم ترزق بأبناء، لكنها خلّفت إرثًا إنسانيًا غنيًا وتاريخًا مشرقًا لسيدة مثّلت وطنها بصلابة وإيمان.
لا يُطفئ الرحيل الجسدي لليلى شهيد، حضورها في الذاكرة الفلسطينية ولا ينهي أثرها في الدبلوماسية الدولية. فقد كانت، كما وصفها من عرفوها، “ضميرًا ناطقًا باسم فلسطين”، وها هو العالم اليوم يودّعها بالعرفان ذاته الذي ألهمت به أجيالًا كاملة من المناضلين من أجل الحرية والكرامة.
قد يعجبك
سلاحنا هو بقاؤنا.. قراءة في الرفض الشعبي الفلسطيني لمقترحات “التجريد من السلاح”
بعد عام من الاحتجاز.. صرخة استغاثة للفلسطينية “لقاء كردية” إثر تدهور وضعها الصحي في سجون أمريكا
وفاة “حكواتي فلسطين” غرقًا في النيل… حادث غامض وأسئلة بلا إجابات












