وطن-تشهد الساحة السياسية في الشرق الأوسط تحولات لافتة، تتجلى أبرزها في الموقف السعودي الذي بدأ يتخذ مساراً أكثر استقلالاً عن شركائه التقليديين في الخليج، وعلى رأسهم الإمارات العربية المتحدة، وفي ابتعاده المتزايد عن الصياغات الغربية المتكررة بشأن العلاقة مع إسرائيل. هذا التحول، كما يراه عدد من المحللين، ليس مجرد رد فعل ظرفي على أحداث جارية، بل هو نتاج تراكمات سياسية واستراتيجية امتدت لسنوات طويلة.
أزمة القيم والسياسة في المنطقة
منذ تصاعد الحرب على غزة وما تبعها من مجازر غير مسبوقة، بدا واضحًا أن الموقف الرسمي العربي، ولا سيما السعودي، دخل مرحلة مراجعة. فبينما استمرت فعاليات ثقافية واقتصادية على أراضي المملكة كالمعتاد، غابت مظاهر الاحتجاج الشعبي وتم تقييد الخطاب العام حول الحرب. غير أنّ هذه الهدوء الظاهري أخفى وراءه شعوراً بالمهانة من الطريقة التي تتصرف بها إسرائيل دون مساءلة أو حدود.
يشرح الأكاديمي السعودي الدكتور أحمد التويجري أن ما جرى في غزة مثّل لحظة وعي لدى الرياض بأنّ “عقيدة الهيمنة الإسرائيلية لا يمكن أن تقود إلى سلام حقيقي أو تعاون مستدام.” ويضيف أن ما وصفه بـ«حجم الشر والإبادة» دفع المملكة إلى إعادة النظر في مسارها السياسي، باعتبارها في موقع ديني وسياسي يجعلها مسؤولة عن اتخاذ موقف واضح.
مقالٌ أثار العاصفة
نقطة التحول المعلنة جاءت حين نشر التويجري مقالًا في صحيفة محلية قريبة من الدوائر الرسمية، تحدّى فيه السردية السائدة حول التحالف الخليجي، مهاجمًا بشدة الدور الإماراتي في الانخراط مع إسرائيل، واصفًا تلك العلاقة بأنها “حصان طروادة لمشروع إسرائيل الكبرى”. اللغة المباشرة وغير المألوفة في المقال أثارت استغراب المتابعين، ولا سيما أنه نُشر في بيئة إعلامية تخضع عادة لإشراف رسمي دقيق.
وبعد نشر المقال، سُحب سريعًا من موقع الصحيفة، لكن المفاجأة جاءت عندما أُعيد نشره لاحقًا بقرار من جهات عليا، ما فسّره مراقبون بأنه مؤشر على ضوء أخضر رسمي لإيصال رسالة محددة إلى شركاء المنطقة. اعتراضات جاءت من تل أبيب وواشنطن، واتهامات بمعاداة السامية أطلقتها منظمات داعمة لإسرائيل في الولايات المتحدة، زادت من حدة الجدل وجعلت القضية تتجاوز الإطار الإعلامي إلى التوتر الدبلوماسي.
تراكمات طويلة واستراتيجيات متباينة
تاريخياً، مثّل التحالف السعودي–الإماراتي محوراً رئيسيًا في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، خصوصًا بعد الربيع العربي، حين توحد موقف البلدين في ملفات اليمن ومصر وليبيا وتونس وسوريا. غير أن هذا التوافق بدأ يتآكل تدريجيًا، وفق ما يؤكده التويجري، مع توسّع طموحات أبوظبي خارج حدودها، وسعيها لفرض نفوذ مباشر في دول تشهد صراعات مفتوحة مثل السودان واليمن وحتّى في منطقة أرض الصومال.
ويقول التويجري إنّ الرياض دعت الإمارات للمشاركة في التحالف باليمن، لكنها اكتشفت لاحقًا أن سياسات أبوظبي هناك تصبّ في اتجاه تقسيم البلاد لا دعم وحدتها. ويضيف أن النقمة السعودية تفاقمت بعدما توسع الدور الإماراتي ليشمل تمويل وتسليح قوى محلية في دول أخرى دون تنسيق رسمي مع الحكومات الشرعية.
الشق الاقتصادي لم يكن بعيداً عن التوتر. فبرأي التويجري، لم يتقبل قادة الإمارات فكرة انتقال مركز الثقل الاقتصادي الإقليمي إلى السعودية بما تحققه من إصلاحات واسعة، وهو ما اعتبره سببًا خفيًا لتراجع الثقة بين القيادتين.
الهيمنة الإسرائيلية وتفكك الإقليم
يستشهد التويجري في تحليله بجذور فكرية قديمة للمشروع الإسرائيلي، تعود إلى دراسة كتبها الصحفي الإسرائيلي عوديد ينون عام 1980، طرح فيها تصور “تفكيك الدول العربية إلى كيانات طائفية وإثنية صغيرة”، معتبرًا أن ذلك يخدم المصالح الاستراتيجية لإسرائيل. ويشير إلى أن أفكارًا مماثلة عادت إلى الواجهة حديثًا في سياسات بعض المسؤولين الإسرائيليين الذين يسعون إلى استثمار ضعف الدول المحيطة واستخدام الأقليات كورقة ضغط سياسية.
ويرى الأكاديمي السعودي أن هذا المخطط يجد اليوم حاضنة عملية في بعض سياسات أبوظبي وتل أبيب المتقاطعة، وأن اختلال موازين القوة في المنطقة يخدم هذا التوجه عبر تفتيت الجغرافيا السياسية العربية لمصلحة مركزين صغيرين يسعيان إلى فرض وصايتهما على الآخرين.
توازن جديد وتحالفات قيد التشكل
في المقابل، تتجه الرياض نحو إعادة رسم دوائر تحالفها، مع الحفاظ على قنوات مفتوحة مع كل من تركيا وإيران في إطار تهدئة إقليمية تتجنّب التصعيد. ويؤكد التويجري أن المملكة أدركت مبكرًا خطورة أي مواجهة عسكرية شاملة مع طهران، محذرًا من أن “إيران ليست فنزويلا، تمتلك أوراقًا كثيرة وخطرة يمكن أن تُستخدم لتدمير الخليج وتهديد مضيق هرمز”.
ويرى أن أي حرب جديدة في المنطقة لن تخدم سوى إسرائيل التي تعتبر، على غرار بعض الأطراف الإقليمية الصغيرة، أن الفوضى تمنحها مزيدًا من النفوذ. لذلك، بحسب قوله، “رمت السعودية بثقلها كله للحيلولة دون اندلاع مواجهة واسعة لن تكون في صالح أحد”.
دلالات الموقف ومغزى التحول
التحرك السعودي الأخير لا يبدو مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل إعادة صياغة لدور المملكة في النظام الإقليمي الجديد. فبعد عقود من العمل ضمن تحالفات تقليدية، تضع الرياض اليوم خطوطًا حمراء تحدد من خلالها حدود شراكاتها ومواقفها من القضايا الكبرى: من فلسطين إلى الأمن الخليجي والعلاقات مع القوى الدولية.
وربما يمثل هذا التحول بداية لمشهد عربي أكثر تعقيدًا، لكنه أيضاً أكثر استقلالية في قراراته. فبين مشهد الإبادة في غزة وخطر التفكك الإقليمي، تبرز رسالة سعودية واضحة: زمن التبعية السياسية يقترب من نهايته، والمملكة تسعى إلى دور يوازن بين مصالحها الوطنية ومسؤوليتها تجاه العالمين العربي والإسلامي.
اقرأ المزيد
حسابات وهمية تديرها الإمارات تستهدف المقاومة والسعودية وتروّج لدورها الإنساني في غزة
أخطر تحول في تاريخ الأراضي المقدسة.. السعودية تفتح مكة للاستثمار العالمي












