وطن-على الرغم من أن هذا العام حمل وعوداً بوقف إطلاق نار طال انتظاره، فإنّ أجواء شهر رمضان في قطاع غزة ما تزال مثقلة بالحزن، إذ يستقبل الأهالي الشهر الفضيل وسط الخيام، يفتقدون أحبتهم الذين غيّبتهم الحرب، ومنازلهم التي ما زالوا عاجزين عن الوصول إليها بسبب المناطق المحظورة في الشمال.
غيوم الحصار فوق الأمل الرمضاني
في وقت اجتمع قادة دوليون في واشنطن معلنين عن خطط لإعادة إعمار القطاع وتعهدات بمليارات الدولارات، يعيش سكان غزة واقعاً مغايراً، حيث لا يزال القلق يخيّم على المخيمات، والناس يتلمسون أثر هدنة هشّة لم تمحُ وجع الفقدان. فمع بداية رمضان، تشعر العائلات أن شيئاً لم يتغيّر كثيراً منذ الحرب؛ سوى أن وتيرة القصف تراجعت قليلاً دون أن تزول مآسيها.
ففي العام الماضي، انهار اتفاق مماثل أثناء الشهر ذاته بعد خروقات إسرائيلية متكررة، ما أعاد إلى الأذهان اليوم شبح المصير ذاته، خصوصاً لدى من فقدوا أكثر من 72 ألف شخص منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وفق تقديرات رسمية.
“الهدنة” التي لم تُخرج الناس من الخيام
يقول زياد ضهير، وهو نازح من شمال غزة يقيم في خيمة بمخيم النصيرات، إن رمضان اليوم “يشبه تماماً رمضان زمن الحرب، سوى أن أصوات الانفجارات خفت قليلاً”. فقد رحل معظم أصدقائه وأفراد عائلته في القصف، وبقي يعيش في عزلة مفروضة عليه في قلب المخيم. ومع أن القصف الواسع النطاق توقف جزئياً، فإن ضربات متفرقة ما زالت تحصد الأرواح؛ حيث قُتل في اليومين الأولين من رمضان فلسطينيان وجُرح أربعة آخرون، بحسب وزارة الصحة في غزة.
ومنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر، بلغ عدد القتلى الفلسطينيين نحو 603، فيما أصيب 1618 بجروح، معظمهم في المناطق الواقعة قرب ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهي منطقة عسكرية يمنع المدنيون من دخولها. هذا الخط تمدّد تدريجياً نحو الغرب، ليجعل أكثر من نصف مساحة القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، ما ترك عشرات الآلاف من السكان بلا مأوى أو قدرة على العودة إلى بيوتهم.
حنين إلى بيت مهدّم
في خيمة صغيرة وسط القطاع، تحاول أم محمد أبو قمر، وهي خمسينية من مخيم جباليا، أن تتأقلم مع واقع لا يشبه شيئاً من ماضيها. تقول بحسرة: “كنت أقضي رمضاني في بيتي، حتى ونحن نعيش تحت القصف. اليوم، أقيم تحت قماش خيمة بعيدة عن الحي الذي كبرت فيه. أشتاق لرائحة التراب في جباليا.”
تعيش أم محمد هذا العام رمضانها الثالث على التوالي في النزوح، لكنها فقدت خلال الحرب شقيقتيها وصهريها. تضيف: “كنت أعدّ الإفطار معهما، نضحك ونتبادل الدعوات. الآن، ابنتاي تجلسان إلى جانبي من دون أزواجهنّ، أحدهما كان صحفياً، والآخر يعمل في مصنع للحلويات.”
دموع الفقد وغلاء الحياة
فؤاد حجازي، من مدينة غزة، ما زال يعاني الشعور ذاته. يصف لحظة إعلان رؤية هلال رمضان قائلاً: “امتلأت عيناي بالدموع، تذكّرت أبي وأخي وعشرين صديقاً قضوا في الحرب. كنا نحتفل سوياً، واليوم لا أجد سوى الذكريات.”
وبينما تعج أسواق القطاع هذا العام بالبضائع، تبدو معظم العائلات عاجزة عن الشراء بعد أن انهار الاقتصاد تماماً. يقول حجازي، الذي انقطع عن العمل منذ أكثر من عامين ونصف: “الطعام متوفر لكننا لا نستطيعه. نعيش على وجبات من مطابخ خيرية. نستلم الطعام في الظهر، وحين يحين الإفطار يكون بارداً فنشعل الحطب لتسخينه، لأن غاز الطهو شبه مفقود.”
الأرقام الرسمية تشير إلى أن من أصل 1500 شاحنة غاز طهو كان المفترض أن تدخل غزة حتى نهاية يناير/كانون الثاني، لم تصل سوى 307 شاحنات تحمل 6458 طناً، أي حوالي 20 في المئة فقط من احتياجات القطاع، ما اضطر الأهالي إلى الاعتماد مجدداً على الحطب كما في أيام الحرب.
ويقول حجازي إن الوضع اليوم “أصعب مما كان عليه خلال الحصار والجوع”، موضحاً أن “السلع موجودة، لكن لا قدرة لنا على شرائها لأطفالنا بعدما أنفقنا كل ما نملك على التنقل والنزوح وشراء الخيام.”
رمضان الذاكرة والصبر
على الرغم من الهدوء النسبي، يبقى العد التنازلي للعودة إلى المنازل مؤجلاً. فالكثير من العائلات لا تزال تنتظر فرصة المرور إلى أحيائها التي تحولت إلى مناطق عسكرية أو ركام. في المقابل، يعيش الفلسطينيون هذا الشهر بحسّ جماعي يمتزج فيه الحزن بالإصرار على الحياة، حيث تُضاء الخيام بالفوانيس، وتُرفع الدعوات بأن يكون رمضان القادم بين جدران بيوت أعيد بناؤها لا بين أقمشة الخيام المثقوبة.
هكذا يمضي رمضان غزة بين صلاة ودمعة، وحنين إلى بيتٍ ومائدةٍ لم تبق سوى في الذاكرة؛ شهر الصبر الذي تحوّل إلى يوميات بحث عن معنى النجاة تحت سماء ما زالت حبلى بالغياب.
اقرأ المزيد
جدل رؤية هلال رمضان.. هل أخطأت السعودية للعام الثاني؟
خطة دولية كبرى.. مليارات من واشنطن و”مجلس السلام” لغزة، فما هو الثمن المطلوب؟












