وطن-في تطور غير مسبوق ضمن ملفات وزارة العدل الأمريكية، ظهرت وثيقة مسرّبة تكشف أن الملياردير الراحل جيفري إبستين كان في قلب تحقيق سري أجرته إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية (DEA) استمر أكثر من خمس سنوات، واستهدفه مع 14 شخصًا آخرين للاشتباه في تورطهم بتحويلات مالية مشبوهة قد تكون مرتبطة بأنشطة غير مشروعة، من بينها تجارة المخدرات أو الدعارة في كلٍّ من جزر العذراء الأمريكية ومدينة نيويورك.
خلفيات التحقيق السري
تحمل الوثيقة المؤرخة بعام 2015 والمكونة من 69 صفحة، تصنيف “سري لتطبيق القانون”، وقد حُجبت منها أجزاء واسعة تتعلق بتفاصيل التحقيق وأسماء بقية الأشخاص المستهدفين. كما تفيد بأن التحقيق انطلق رسميًا في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 من نيويورك، وظل “قيد الإجراءات القضائية” حتى وقت إعداد المذكرة بعد خمس سنوات، ما يعني أنه كان ما يزال تحقيقًا نشطًا حينها.
أوضحت مصادر أمنية أن فتح ملف بهذا النوع لدى إدارة مكافحة المخدرات لا يتم إلا عندما يوجد “ارتباط مباشر” بتجارة ممنوعة، مشيرة إلى أن الطلب الموجَّه من الإدارة إلى مركز تبادل المعلومات التابع لفريق مكافحة الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات في ولاية فرجينيا يعكس أن القضية كانت ذات أهمية كبيرة وليست استفسارًا روتينيًا.
واستُحدث هذا الفريق في ثمانينيات القرن الماضي خلال إدارة الرئيس رونالد ريغان لمواجهة تصاعد تهريب الكوكايين، فيما أُنشئ المركز المعني بالتحليل وتبادل المعلومات عام 2009 لتمكين التنسيق بين الأجهزة الفيدرالية المختلفة.
تحويلات مالية في دائرة الشبهة
تطرقت الوثيقة الجديدة إلى تحويلات مالية قدرت بنحو 50 مليون دولار جرت بين عامي 2010 و2015، دون الكشف عن أسماء الأطراف المستفيدة منها، باستثناء اسم عارضة أزياء بولندية ارتبط ذكرها بتحويلات تصل إلى قرابة مليوني دولار، ووصفت بأنها إحدى “المستهدفات” في التحقيق.
أُرفقت مراسلات بريد إلكتروني بالوثيقة كشفت عن علاقة شخصية جمعتها بإبستين، فيما أكد محاميها أنها من الناجين من إساءة إبستين، وامتنع عن التعليق حول علمها بكونها ضمن دائرة التحقيق من عدمه.
شبكة من الشركات والحسابات الخارجية
تضمّنت الوثيقة إشارات إلى حسابات مصرفية مرتبطة بإبستين في سويسرا وفرنسا وجزر كايمان ونيويورك، بالإضافة إلى شركات عدة تعود ملكيتها له، من بينها “هايبرين إير” التي استخدمها لإدارة طائراته الخاصة، و”إس إل كيه ديزاينز” التي تولت إدارتها سيدتان ورد اسماهما سابقًا في اتفاق التسوية القضائية لعام 2008 بين إبستين والحكومة الأمريكية، وذُكرتا ضمن من وُصفوا بـ”المتواطئين المحتملين”.
أظهرت سجلات رسمية أن هاتين الشركتين تأسستا وأُديرتا بواسطة محامي إبستين، دارين إيندايك، الذي نفى محاميه في تصريحات سابقة أي تورط لموكله في تسهيل أو دعم أنشطة إبستين غير القانونية، مؤكدًا أن خدماتهم اقتصرَت على الاستشارات القانونية والمحاسبية.
قضايا موازية وتحقيقات دولية
كشفت الوثائق كذلك عن تحقيقات أخرى تعود لأجهزة أمريكية مختلفة، من بينها تحقيق فتحته إدارة الهجرة والجمارك (ICE) في ويست بالم بيتش بين عامي 2006 و2008، وآخر في لاس فيغاس عام 2009 ظل مفتوحًا حتى مطلع 2010، إضافة إلى تحقيق في باريس أطلق في يونيو/حزيران 2013 ضمن عملية سُميت “مراقبة الملاك” وأغلق لاحقًا في العام ذاته، فضلاً عن تحقيق لمكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) بدأ عام 2006 وما زال فعّالًا حتى 2015 وفق الوثيقة.
من التحقيق إلى السجن ثم النهاية
التحقيقات المختلفة لم تلتقِ عند نقطة واحدة قبل عام 2018، حين فتحت النيابة الفيدرالية في منطقة نيويورك الجنوبية قضية جديدة انتهت باعتقال إبستين في يوليو/تموز 2019 بتهم تتعلق بالاتجار بالبشر واستغلال قاصرات. ومع أن القضية تلك لم تكن على علم بتحقيق DEA السابق، فإنها أعادت تسليط الضوء على شبكة العلاقات والتعاملات المالية الغامضة التي أحاطت بحياة الملياردير.
توفي إبستين في محبسه بعد شهر من اعتقاله، في أغسطس/آب 2019، وأعلنت السلطات أن سبب الوفاة هو الانتحار.
“اتبعوا المال لتعرفوا الحقيقة”
أكّد السناتور الديمقراطي رون وايدن، عضو لجنة المالية في مجلس الشيوخ، في تصريحات صحفية أن تتبع مسارات الأموال هو المفتاح لفهم أعمق لأنشطة إبستين، مضيفًا أن الوثائق الجديدة تُظهر أن جرائم إبستين كانت أوسع من مجرد اعتداءات جنسية، وتشمل شبهات مالية وتنظيمية معقدة. وانتقد ما وصفه بتأخر بعض الجهات في الكشف عن الملفات الكاملة، قائلًا إن “العدالة لا تكتمل في ظل استمرار حجب المعلومات”.
صمت رسمي وخاتمة مفتوحة
حتى اللحظة لم تصدر إدارة مكافحة المخدرات أو وزارة العدل أي تعليق رسمي بشأن مضمون الوثيقة أو مصير التحقيق السري. ومع استمرار ظهور المزيد من الوثائق، يتجدد السؤال حول حجم الشبكة التي أحاطت بإبستين، وكيف أمكن لسنوات من التحقيقات أن تظل طي الكتمان رغم الأدلة المالية والارتباطات العابرة للحدود.
في ضوء ذلك، يبقى الملف شاهدًا على تعقيدات تداخل المال والنفوذ بالقانون، وعلى الحاجة إلى شفافية أكبر تكسر الصمت المحيط بإحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في الذاكرة القانونية الأمريكية الحديثة.
اقرأ المزيد
صندوق أسرار إبستين ينفجر مجدداً: وثائق مسربة تربط الأمير أندرو بـ 3 نساء إضافيات












