وطن-منذ عبور القوات الروسية الحدود الأوكرانية قبل خمسة أعوام، لم تقتصر آثار الحرب على الدمار البشري والعمراني في كييف وموسكو، بل امتدت إلى بنية القانون الدولي نفسها، مهددة ركائز منظومة وُضعت منذ قرون لضمان استقرار العلاقات بين الدول.
تآكل مبادئ النظام الدولي
عندما اجتازت روسيا الأراضي الأوكرانية دون تبرير قانوني واضح، كما يقول خبراء العلاقات الدولية، بدا الأمر وكأنه صفعة لمبدأ عدم انتهاك حدود الدول الذي كرّسته معاهدة وستفاليا عام 1648، وهي التي أنهت حرب الثلاثين عاماً في أوروبا وأرست مفهوم سيادة الدولة الوطنية.
فالمشهد الحالي أعاد إلى الواجهة سؤالاً مؤرقاً حول ما إذا كان النظام الدولي الراهن لا يزال قادراً على حماية هذا المبدأ الذي حافظ، حتى بعد الحرب العالمية الثانية، على استقرار أوروبا ومنع عودة ظاهرة الغزو غير المبرر.
ترويج خطير لفكرة “الحرب الوقائية”
أحد أبرز التحولات التي أفرزها هذا الصراع هو أن موسكو قدّمت مبرراً استباقياً لهجومها، استناداً إلى خشيتها من انضمام كييف إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو). هذا المنطق، في نظر المراقبين، يفتح الباب أمام أي دولة لتبرير الحرب لمجرد شعورها بتهديد محتمل، وهو ما يمثل تراجعاً مقلقاً في الأعراف الدولية.
صحيح أن مبدأ “الحرب الوقائية” ليس جديداً؛ فقد استخدمته إسرائيل عام 1967 في حرب الأيام الستة، والولايات المتحدة عام 2003 في غزو العراق. غير أن سلوك روسيا اليوم يعيد هذا النموذج إلى الساحة الدولية بطريقة تهدد بتقويض ما تبقى من القيود القانونية على استخدام القوة.
حرب بلا تحالفات كبرى
وعلى الرغم من اتساع مسرح العمليات القتالية منذ 2021، فإن النزاع بقي محصوراً بين موسكو وكييف دون أن يتحول إلى صراع عالمي واسع. فالحرب ظلت ثنائية في جوهرها؛ لم تنشأ عنها تكتلات عسكرية رسمية تُلزم الدول باصطفافات مباشرة.
فدعم الولايات المتحدة وحلف الناتو لأوكرانيا اقتصر على تزويدها بالأسلحة والمعدات الدفاعية، من دون مشاركة مباشرة في القتال. في المقابل، لم تقدم الصين دعماً عسكرياً لروسيا، فيما اكتفت كوريا الشمالية بإرسال قوات محدودة بموجب اتفاق مع موسكو، استخدمتها الأخيرة في الخطوط الأمامية، بحسب تقارير ميدانية، دون أن يكون لذلك أثر حاسم في مجريات الحرب.
وفي صورة رمزية لشراسة الصراع، أظهرت عدسات الصحافة رجال الإطفاء في كييف وهم يحاولون إخماد حريق اندلع في مبنى استهدفه طائرة مسيّرة روسية في الثاني عشر من يناير 2026.
طريق السلام يمر عبر التنازلات
خمسة أعوام من القتال خلّفت حصيلة مأساوية تُقدّر بمليوني ضحية تقريباً في الجانبين، فضلاً عن دمار واسع في البنية التحتية الحيوية، من جسور وطرق ومستشفيات. ومع هذا الاستنزاف المتبادل، باتت الدبلوماسية الخيار الوحيد الممكن لإنهاء النزاع.
في جنيف، تجري محادثات ترعاها الولايات المتحدة، وسط مؤشرات على أن الأطراف باتت أكثر استعداداً لتقديم تنازلات. فالمعادلة المطروحة، بحسب ما يُتداول، تقوم على تسوية مزدوجة: اعتراف رسمي بضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم وأجزاء من دونباس، مقابل قبول موسكو بانضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو.
ما بعد المعركة
وبغضّ النظر عن مآلات المفاوضات، فإن الدرس المستخلص من هذه الحرب أكبر من حدود الجغرافيا السياسية. فقد أعادت إلى الذاكرة الجماعية فكرة أن الحرب ليست وسيلة دائمة لتحقيق النفوذ، وأن إعادة بناء الثقة في قواعد المجتمع الدولي باتت ضرورة توازي أهمية إعادة إعمار المدن المهدّمة.
إن استعادة السلم لا تعني فقط وقف إطلاق النار، بل ترميم الأسس التي تضمن أن لا تتحول المصالح الآنية إلى مبرر دائم للاعتداء على سيادة الدول. وهذا، في جوهره، هو التحدي الأكبر للنظام العالمي في القرن الحادي والعشرين.
قد يعجبك
ترامب يخطط لنقل صواريخ “توماهوك” إلى أوكرانيا وسط تصعيد خطير
روسيا تشن أكبر هجوم على أوكرانيا منذ بداية الحرب وكييف تحت الحصار












