وطن-مع كل رحلة طيران، يتكرّر المشهد ذاته تقريبًا: ما إن تهبط الطائرة وتُطفأ إشارة ربط الأحزمة، حتى ينهض بعض الركّاب على الفور بينما يختار آخرون البقاء في أماكنهم بانتظار فتح الباب. هذا التصرف البسيط تحوّل إلى جدل واسع بين من يراه دليلاً على نفاد الصبر، ومن يعتبره مجرد رغبة في التحرّك بعد ساعات من الجلوس.
ازدحام اللحظات الأخيرة
يرى خبراء السفر أنّ الإزعاج الحقيقي لا يكمن في الوقوف ذاته، بل في الفوضى التي تصاحب تلك اللحظات عندما تُفتح الخزائن العلوية وتختفي حدود المساحة الشخصية. فمع اقتراب لحظة الخروج، يتشوّش النظام داخل المقصورة ويتحول الممر إلى ساحة مزدحمة بالحقائب والأجساد.
أسباب تدفع إلى الوقوف المبكر
تُرجع بعض الدراسات السلوكية السبب الأساسي إلى الراحة الجسدية؛ فبعد ساعات من الجلوس، يساعد الوقوف على تنشيط الدورة الدموية وتخفيف تيبّس الظهر والساقين. كثير من المسافرين لا يقصدون التسرع، بل يستجيبون لحاجة جسدية طبيعية.
أما آخرون فينهضون بدافع الاستعداد المسبق، إذ يتيح الوقوف ترتيب الأمتعة الشخصية قبل بدء حركة النزول. وبرغم أن الوقت الذي يوفره الأمر ضئيل، إلا أنه يخفف التوتر الذي يرافق انتهاء الرحلة.
متى يكون الوقوف مفيدًا؟
وفق توصيات مختصّي السفر، فإن ركّاب المقاعد الملاصقة للممر هم الأقدر على إدارة هذه المرحلة بفاعلية، إذ يسمح وقوفهم المبكر لركّاب المقاعد الوسطى أو القريبة من النوافذ بالتحضير دون ازدحام. كما يساعد هذا التنظيم التدريجي على خروج أكثر انسيابية عندما يبدأ فتح الصفوف تباعًا، شرط أن يبقى الجميع ملتزمين بمواقعهم دون استعجال.
حين يتحول الوقوف إلى مصدر إرباك
المشكلة تبدأ عندما يتجاوز الأمر الوقوف إلى الاندفاع والفوضى؛ كمَن يحاول التقدم قبل دوره أو يحرك حقائبه دون الانتباه للآخرين، مما يثير شعورًا بعدم الأمان داخل المقصورة. لهذا، فإن الغضب الذي يبديه بعض الركاب لا يرتبط بالفعل ذاته، بل بالطريقة التي يُمارَس بها.
هذا السلوك لم يمر من دون إجراءات رسمية؛ ففي عام 2025 فرضت تركيا غرامات مالية على الركاب الذين يهمّون بالوقوف قبل السماح بالنزول، في خطوة هدفت إلى الحد من الازدحام وضمان السلامة أثناء عملية الخروج.
ضغط المواعيد والرحلات المترابطة
لا يخلو الأمر من دوافع عملية أيضًا، إذ ينهض بعض المسافرين بسبب ضيق الوقت بين الرحلات، في محاولة لتقليل ثوانٍ ثمينة قد تفصلهم عن رحلة متابعة. ويرى الخبراء أن الحل الأمثل هو التواصل الهادئ مع الركاب القريبين وشرح الظرف، فالتفاهم الودي أكثر فاعلية من التوتر والاستعجال.
من يُفضَّل أن يبقى جالسًا
في المقابل، يختار آخرون البقاء في مقاعدهم حتى اكتمال فتح الباب، سواء لأسباب صحية، أو لتجنب الزحام، أو ببساطة لأنهم مرهقون. ويؤكد المتخصصون أن الجلوس في هذه اللحظة لا يقل لياقة عن الوقوف، بل قد يكون الخيار الأكثر أمانًا لكبار السن أو لمن يعانون صعوبة في الحركة.
توازن البساطة والاحترام
يبقى المبدأ الأهم هو احترام اختلاف وتيرة الآخرين. الوقوف لا ينبغي أن يفرض ضغطًا على من حولك، كما أن الجلوس لا يعني رفض التعاون. فإدارة الدقائق الأخيرة من الرحلة بهدوء تُغلق التجربة بروح أكثر راحة.
في النهاية، لا تدور القضية حول مقعد أو ممر، بل حول تعامل إنساني في مساحة ضيقة تجمع غرباء لبضع ساعات. قليل من الصبر، وبعض اللباقة، كفيلان بأن يجعل لحظة الهبوط نهاية لطيفة بعد رحلة طويلة.
اقرأ المزيد
تصميم غريب لمحبي الرفاهية.. لماذا تباع حقائب السفر الجديدة وهي تبدو “محطمة”؟












