وطن-في ظل تصاعد الجدل حول شفافية الجامعات البريطانية في إدارة استثماراتها، كشفت تحليلات مالية حديثة عن معلومات تُعيد فتح النقاش داخل أروقة جامعة كامبريدج بشأن طبيعة توجهاتها الاستثمارية وموقفها الأخلاقي من القضايا الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان.
استثمارات مثيرة للتساؤل
تشير الوثائق المودعة مؤخرًا لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية إلى أن صندوق الوقف التابع لجامعة كامبريدج ضخّ أكثر من 140 مليون جنيه إسترليني (نحو 189 مليون دولار) في صندوق استثماري يحمل اسم iShares ESG Select Screened S&P 500، وهو صندوق يضم أسهماً في شركات من بينها Palantir Technologies وCaterpillar وGE Aerospace.
ويُدار هذا الاستثمار عبر شركة Cambridge University Investment Management Limited (UCIM)، وهي الجهة المسؤولة عن إدارة أموال الوقف الجامعي، والتي طالما امتنعت عن الكشف عن تفاصيل الشركات التي تستثمر فيها بذريعة “السرية القانونية”.
اتهامات بالتعتيم
جاءت هذه التطورات بعد أن وجّه نحو 29 أكاديميًا من كامبريدج الشهر الماضي انتقادات حادة لإدارة الجامعة، متهمين إياها بممارسة “تعقيد وتعتميم مفرط” في ما يتعلق بصندوق الوقف الذي تبلغ قيمته الإجمالية حوالي 4.2 مليار جنيه إسترليني (5.74 مليار دولار)، وبعلاقاته المحتملة مع شركات تصنيع الأسلحة. وأعرب أساتذة من الجامعة عن استيائهم من عدم قدرتهم على فحص استثمارات المؤسسة بالشكل الكافي نظرًا لغياب الشفافية.
شركات مثيرة للجدل
تُظهر البيانات أن الجامعة تمتلك بصورة غير مباشرة ما يقارب 800 ألف جنيه إسترليني من أسهم شركة Palantir، وهي شركة تكنولوجيا أمريكية تربطها شراكات وثيقة مع وزارة الدفاع الإسرائيلية، كما تزود وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية بأنظمتها التحليلية.
وكانت المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، قد صرّحت في يوليو 2024 بأن لدى Palantir “معرفة تنفيذية مباشرة” باستخدام أنظمتها في عمليات عسكرية يُشتبه في أنها تنتهك القانون الدولي.
كما يقدّر أن الصندوق يمتلك ما يقارب 900 ألف جنيه إسترليني من أسهم GE Aerospace، الشركة المصنعة لمحركات الطائرات الحربية التي تُستخدم في سلاح الجو الإسرائيلي، إضافة إلى نحو مليون جنيه إسترليني في أسهم شركة Caterpillar الأمريكية، التي واجهت انتقادات دولية لاستخدام جرافاتها في هدم الممتلكات الفلسطينية. وكان الصندوق السيادي النرويجي، وهو الأكبر في العالم بقيمة 1.9 تريليون دولار، قد أعلن العام الماضي سحب استثماراته من Caterpillar بسبب ما وصفه بـ“الانتهاكات الواسعة للقانون الإنساني الدولي” الناتجة عن استخدام منتجاتها.
الجامعة تحت ضغط متزايد
تأتي هذه الكشفات بعد عام من مراجعة داخلية أجرتها مجموعة عمل أنشأتها الجامعة عقب اعتصام طلابي مؤيد لفلسطين عام 2024، طالب المحتجون خلاله بإنهاء كل أشكال التعاون المالي مع الشركات المرتبطة بصناعات السلاح أو بالاحتلال الإسرائيلي. وقد التزمت إدارة الجامعة حينها بمراجعة شاملة لاستثماراتها، وأكدت الشركة المسؤولة UCIM أنّها لا تمتلك استثمارات مباشرة مع شركات أسلحة، وإن اعترفت لاحقاً بأن نحو 1.7% من محفظتها تتركز في قطاعات الطيران والدفاع.
ولم تقدّم UCIM للمجموعة الطالبية أو الأكاديمية القائمة التفصيلية للشركات بحجة “الالتزامات القانونية بالسرية”، ما زاد من الشكوك إزاء مدى اتساع علاقة الجامعة بشركات تصنيع السلاح.
تأجيلات متكررة ومخاوف من التبعات
وفي حين كان من المقرر أن يصوّت مجلس جامعة كامبريدج على مقترح الانسحاب من الاستثمارات المرتبطة بتجارة السلاح، تم تأجيل الاقتراع أكثر من مرة، كان آخرها مطلع الشهر الجاري، بعدما أعرب عدد من الأعضاء عن قلقهم من صعوبة تنفيذ الانسحاب بسبب هيكلية الصندوق الذي يعتمد على نموذج “صندوق الصناديق”، أي توزيع الأموال بين مديري استثمار مستقلين من أطراف ثالثة.
في الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات داخل الحرم الجامعي وخارجه لمواءمة الاستثمارات الأكاديمية مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، تبدو جامعة كامبريدج أمام اختبار أخلاقي حساس بين مقتضيات إدارة الثروة الجامعية وحتمية الشفافية والمسؤولية الاجتماعية. وبينما تواصل إدارتها التزام الصمت الرسمي، يتصاعد نداء الأساتذة والطلبة بضرورة وضوح السياسات الاستثمارية حفاظًا على مصداقية واحدة من أعرق الجامعات في العالم.
اقرأ المزيد
بين “الحرب الكبرى” والصفقة الشاملة.. ماذا طلب نتنياهو من ترامب بخصوص إيران وغزة؟












