وطن-في لحظات الاسترخاء أو قبل النوم مباشرة، كثيرًا ما تتوارد إلى أذهاننا تفاصيل صغيرة لم نتممها خلال اليوم: رسالة إلكترونية لم تُرسل، أو غسيل نُسي في الغسالة، أو مهمة بقيت معطّلة وسط الزحام الذهني. هذا الانشغال المستمر لا يحدث بالصدفة، بل يرتبط بظاهرة نفسية عُرفت منذ قرابة قرن باسم “تأثير زيجارنيك”.
ذاكرة لا تهدأ أمام المهام غير المكتملة
في عام 1927، توصّلت العالمة النفسية السوفياتية بلُوما زيجارنيك إلى أن الدماغ يميل إلى تذكّر المهام التي لم تُنجز بدرجة أكبر من تلك التي اكتملت. فقد لاحظت خلال تجاربها أن الأشخاص يتذكرون الأعمال المتوقفة أو المقطوعة بدقة تفوق ما يتذكرونه من تجارب منتهية.
تُفسَّر هذه الظاهرة بوجود ما يُعرف بـ”التوتر المعرفي”، وهو نوع من الشدّ الذهني الذي يُبقي المعلومة نشطة في الذاكرة إلى أن تُغلق المهمة تمامًا. وتبيّن الأبحاث الحديثة أن هذا التأثير يتضخّم كلّما كانت المهمة ذات قيمة عاطفية أو مهنية أكبر بالنسبة لصاحبها؛ فكلّما عنت لنا أكثر، صارت أكثر إلحاحًا في وعينا.
كيف يعمل دماغنا في مواجهة المهام المؤجلة؟
يشبّه خبراء علم النفس هذه الحالة بجهاز حاسوب مثقل بعلامات تبويب مفتوحة في الخلفية، حيث تستمر العمليات غير المنتهية في استهلاك الطاقة من دون توقف. هكذا يعمل العقل عندما تتراكم فيه الأفكار المؤجلة، فيبقى في حالة “تشغيل خلفي” تُضعف تركيزنا وراحتنا الذهنية.
يقول الأخصائي في علم النفس العصبي الإكلينيكي بابتيس كاريرا ميلييه إن “تأثير زيجارنيك” سلاح ذو حدين، فقد يساعد على الحفاظ على الدافعية عندما تُدار المهام بشكل متوازن، لكنه يتحول إلى فخّ نفسي عند تراكم الأعمال غير المنجزة، ما يؤدي إلى القلق والاحتراق الذهني. ويضيف أن هذه الآلية تُستغل أيضًا في مجالات عدة كالتسويق والسينما، إذ تُستخدم فكرة “المهمة غير المكتملة” لجذب الانتباه وإبقاء المشاهد متيقظًا لمعرفة ما سيحدث لاحقًا.
كيف نكسر الحلقة الذهنية المتكررة؟
الخبر الجيد أن هذه الظاهرة يمكن التعامل معها بطرق بسيطة. فالوعي بآلية عملها خطوة أولى نحو السيطرة عليها. ولتحرير الذهن من عبء المهام المعلّقة، يُنصح بإخراجها من الذاكرة وتدوينها خارجيًا، سواء على ورقة لاصقة أو في دفتر أو عبر تطبيق لتنظيم المهام. بمجرد أن تجد الفكرة مكانًا ملموسًا خارج العقل، يخف الضغط الداخلي، ويتيح ذلك للنوم أو الاسترخاء أن يأخذا مجراهما الطبيعي.
بين التنظيم الذكي وصحة العقل
يذكّرنا “تأثير زيجارنيك” بأن أذهاننا لا تنفصل بسهولة عن أعمال اليوم، لكنها أيضًا قادرة على الراحة إذا مُنحت وسيلة منظمة لتفريغ الانشغال. فالإدارة الجيدة للمهام ليست مسألة إنتاجية فحسب، بل خطوة ضرورية للحفاظ على توازننا النفسي في عالم تتزاحم فيه الأولويات وتتكاثر فيه الأصوات الداخلية التي تطالبنا بإنهاء ما بدأناه.
اقرأ ايضاً
سيكولوجية الكذب: لماذا نكذب؟ وكيف تفضح أكاذيبنا نقاط ضعفنا وقوتنا؟
لماذا نشعر أن العمر يمر بلمح البصر؟ العلم يكشف السر وراء تسارع الوقت كلما كبرنا












