وطن-قد يطلق أحدنا جملة مجاملة سريعة مثل «كل شيء على ما يرام» أو «نسيت» لتفادي الحرج أو لتخفيف توتر موقف ما. لكن ما الذي تكشفه مثل هذه الأكاذيب الصغيرة عن ملامح شخصياتنا؟ وفق رؤية الدكتور إميل غيبر، الأخصائي في علم النفس ورئيس المنظمة المتخصصة في التدريب على علم النفس التطبيقي (AFPRO)، فإن الكذب ليس مجرد سلوك عابر، بل يعكس في كثير من الأحيان بنية عميقة في طباعنا وطريقتنا في التعامل مع الواقع.
يشرح غيبر، مؤلف كتاب «كل شيء مسألة طبع!»، أن الناس لا يكذبون بالطريقة نفسها أو لغرض واحد، بل تتفاوت دوافعهم تبعًا لشخصياتهم، مؤكدًا أن الاختلاف لا يكمن في كمية الكذب بل في «السبب الذي يجعل كل شخص يختار الخروج عن الحقيقة».
الكذب كتعبير عن نمط الشخصية
يرى الدكتور غيبر أن هناك ثمانية أنماط رئيسية من الشخصيات، ولكل منها علاقة مختلفة بالحقيقة والأكاذيب، تتراوح بين الاندفاع والعجز عن المواجهة أو حتى اللامبالاة.
1. الكاذب الاندفاعي – شخصية الباحث عن الإثارة
الشخص العصبي يكذب عادة بدافع إثارة الانتباه وإضفاء نوع من التشويق على الموقف. وغالبًا ما يكون كذبه عفويًا، أقرب إلى رد فعل لحظي لا إلى حسابات متعمدة. يقول غيبر إن هذا النوع «لا يسعى للإيذاء، بل يبحث عن شحنة عاطفية تجعله حاضرًا في المشهد»، لكنه كثيرًا ما يقع ضحية وعوده المسرفة أو تناقضاته السريعة.
2. الكاذب الوجداني – الحامي بصمته
أما «الحنون» أو العاطفي، فكذبه أقرب إلى تَجَنُّب الألم منه إلى الخداع. يخشى جرح الآخرين أو أن يُحاكم على مشاعره، فيقول «كل شيء على ما يرام» بينما يخبئ جروحه بصمت. يعدّ غيبر هذا النوع «كاذبًا بدافع الحياء العاطفي»، إذ يحرّف أو يخفف الحقيقة حفاظًا على الروابط، إلى أن تتراكم كلماته غير المعلنة وتنفجر لاحقًا.
3. الكاذب الجدلي – الموجِّه بالكلام
الشخص الغاضب أو الصدامي يوظف الكذب أداةً للإقناع وفرض الرأي. فهو لا يختلق دائمًا، لكنه «يميل إلى توجيه الحقيقة بما يخدم حجّته»، كما يقول غيبر. هذا النمط يهوى التأثير السريع، وغالبًا ما تكون أكاذيبه علنية جريئة هدفها الفوز في الموقف لا أكثر.
4. الكاذب المحسوب – المهندس البارد للواقع
من يمتلك طبعًا شغوفًا أو مهووسًا بهدف كبير قد يرى أن الغاية تبرّر الوسيلة. يكذب هذا الشخص بطريقة مدروسة، يبرّرها باعتبارها «جزءًا من خطة أكبر». إنه لا يرتكب الكذب انفعالًا بل تصميمًا، ويعمل على «إعادة كتابة الحقائق بما يخدم مشروعه»، كما يوضح الأخصائي.
5. الكاذب العملي – المساير للظروف
السريع الحركة، المتكيف مع المواقف، أو ما يسميه غيبر «الشخص الدموي»، يستخدم الكذب كوسيلة عملية للهروب من مأزق أو لتسهيل أموره اليومية. لا يراه فعلاً أخلاقيًا خطيرًا، بل مجرد «تعديل بسيط للواقع» لتفادي التعقيدات.
6. الصادق بالفطرة – الباحث عن الاستقرار
أما الهادئ المتزن أو الفَلَجْماتِي، فيُعدّ العدو الطبيعي للكذب. يحب الوضوح والنظام المنطقي، ويرى أن الكذب يربك بساطته ويفسد اتّزانه. لهذا يختار الحقيقة لا فضيلةً أخلاقية بقدر ما هي راحة ذهنية. لكنه إذا اضطر للكذب، فغالبًا لأن الوضع بلغ مرحلة حرجة لا يجد فيها مخرجًا آخر.
7. الكاذب المتكاسل – الباحث عن الراحة
الشخص الخامل أو الكسول يكذب لتجنّب الجهد لا لتحقيق غاية. يقول غيبر إن أكاذيبه «تكرارية بسيطة»، غايتها الوحيدة تيسير الحياة اليومية، مثل تبرير إهماله بعبارة «لم يكن لدي وقت». لا رغبة لديه في السيطرة أو الإقناع، بل فقط في تجنّب المتاعب.
8. غير المكترث – الصامت عن الحقيقة
أما اللامبالي أو الفاقد للحافز، فلا يكذب كثيرًا، ليس بدافع النزاهة بل ناحية اللااهتمام. إنه لا يبذل طاقة لتبرير أمر أو إخفاء آخر. يفضّل الصمت، الذي يكون عنده أكثر شيوعًا من الكذب، لأن مشكلته ليست مع الحقيقة بل مع انخراطه في دنيا الناس.
فهم دوافع الكذب… خطوة نحو علاقات أوضح
يعتقد الدكتور غيبر أن إدراكنا لأسباب كذب الآخرين لا يعني تبريره، لكنه يفتح باب الفهم المتبادل ويقلل سوء الظن. فالكاذب العصبي لا يقصد بالضرورة خيانة الثقة، والعاطفي لا يتعمد الخداع، كما أن المخطط البارد لا يرى نفسه محتالًا بل «منظّمًا للواقع».
هذا الوعي بنمط الشخصية، كما يرى الأخصائي، يساعد الأزواج والأصدقاء على التعامل مع الخلافات بشكل أكثر واقعية وهدوءًا. فعندما ندرك أن التصرف نابع من طبع محدد لا من نية الإساءة، نصبح أقدر على ضبط ردود أفعالنا وبناء تواصل أكثر نضجًا وصدقًا.
ربما لا يخلو أي إنسان من لحظة كذب، صغيرة كانت أم كبيرة. لكن ما يهم، كما يذكّرنا الدكتور إميل غيبر، هو أن نقرأ خلف تلك اللحظة ما تقوله عنّا أكثر مما تخفيه عن الآخرين. فالفهم الحقيقي يبدأ حين نواجه دوافعنا بدل أن نخفيها، وحين نفهم أن الصدق مع الذات هو الخطوة الأولى نحو علاقة أكثر صفاءً مع من حولنا.
اقرأ المزيد
لماذا نشعر أن العمر يمر بلمح البصر؟ العلم يكشف السر وراء تسارع الوقت كلما كبرنا
هل تعاني من “ضباب الدماغ”؟ 5 علامات تكشف تشتت ذهنك وكيف تعالجه فوراً












