وطن-في خضمّ موجات الجدل المتكررة على المنصّات الرقمية، أعاد إيلون ماسك إشعال نقاش واسع حول حدود حرية الرأي ومسؤولية الإعلام، بعدما وجّه انتقادات حادّة إلى صحيفة “نيويورك تايمز” على خلفية مقالة رأي نُشرت قبل أكثر من عقد، وعاودت الظهور مؤخرًا في سياق قضايا تتعلّق باستغلال الأطفال.
خلفية تعود إلى عام 2014
نُسجت القضية التي أثارت الغضب خيوطها الأولى في أكتوبر 2014، عندما نشرت الأستاذة ماغو كابلان، أستاذة القانون في جامعة رَتغرز الأميركية، مقالة بعنوان “البيدوفيليا: اضطراب لا جريمة”. دعت فيها إلى النظر إلى الانجذاب نحو الأطفال بوصفه اضطرابًا نفسيًا يستدعي علاجًا متخصصًا، لا عقوبة مبنية على الأفكار وحدها.
وأوضحت الكاتبة أنّ التصنيف الطبي المعتمد في الدليل التشخيصي الخامس للاضطرابات النفسية (DSM-5) يعتبر البيدوفيليا اضطرابًا شاذًا عندما تتسبّب في معاناة أو تؤدي إلى فعل مؤذٍ، مؤكّدة في الوقت نفسه أنّ أي اعتداء فعلي على الأطفال يظلّ جريمة لا يمكن التساهل معها.
استشهدت كابلان، بتجارب علاجية من ميادين أخرى كاضطرابات الإدمان، مؤكدة أن الوقاية قد تكون أكثر نجاعة من الزجر وحده. كما أشارت إلى مشروع ألماني يعرف باسم “دنكلفِلد” (Dunkelfeld) يقدم دعمًا علاجيًا سريًا لمن يعانون من تلك الميول دون أن يرتكبوا أفعالًا جرمية، وقد ساهم –بحسب المعطيات– في تقليص احتمالات السلوك المؤذي.
لكن المقالة، رغم بعدها الأكاديمي، كانت مثار انتقادات منذ صدورها، ثم خفت بريقها مع مرور الوقت إلى أن أعادت أحداث عام 2025 تسليط الأضواء عليها مجددًا، مع تصاعد النقاشات الأميركية حول قضايا استغلال الأطفال وورود أسماء لرموز نافذين مرتبطة بملفات مثل قضية جيفري إبستين.
تدخل سياسي أعاد الجدل إلى الواجهة
يرجع سبب العودة إلى الجدل بعدما نشر السيناتور الأميركي مايك لي عن ولاية يوتا لقطة شاشة لعنوان المقالة على منصة “إكس”، معلّقًا: “هذه فكرة واهمة، فالأمر جريمة لا لبس فيها”. منشوره السريع الانتشار استثار موجة من التعليقات، منها ما طالب بمعاقبة الصحيفة، ومنها ما تدخل للدفاع عن حق النقاش العلمي في المسائل الحساسة.
ماسك يدخل خط النقاش
عقب ذلك، توجّه الملياردير إيلون ماسك، مالك منصة “إكس” والرئيس التنفيذي لشركة “تسلا”، بردّ حاد على المنشور نفسه، واصفًا صحيفة “نيويورك تايمز” بأنها “مقيتة بكل ما للكلمة من معنى” لنشرها ذلك المقال. وقد وضع ماسك تعليقًا آخر وصف فيه الصحيفة بأنها “أداة دعاية شريرة”، معتبرًا أن نشر مثل هذه الآراء يُعدّ انحرافًا عن القيم الأخلاقية وتهديدًا لسلامة الأطفال.
اللافت أن مواقف ماسك جاءت متّسقة مع نهجه الأخير في التصدّي للمحتوى المتعلق باستغلال القاصرين عبر الإنترنت؛ إذ أعلن سابقًا عن تعزيز سياسات المراقبة على المنصة التي يمتلكها، متعهّدًا بمحاربة أي محتوى ينتهك حماية الأطفال. منشوراته بهذا الخصوص حصدت ملايين المشاهدات خلال ساعات، فيما تناقل المستخدمون تصريحاته بوصفها موقفًا صارمًا ضد محاولات “تطبيع الجريمة”، على حد تعبير بعضهم.
مضمون المقالة بين الدفاع والاتهام
في المقابل، يرى المدافعون عن مقالة كابلان أنّ هدفها لم يكن تبرير الأفعال المجرّمة، بل فتح باب النقاش حول آليات علاجية قد تردع حدوث الجريمة نفسها. وتقول الكاتبة في متن مقالتها إنّ وصم الأشخاص الذين يعانون ميولًا مرضية قد يدفعهم إلى الصمت أو تجنّب طلب المساعدة، وهو ما يزيد الخطر بدل أن يقلّله. لذلك دعت إلى إصلاح بعض القوانين، مثل إلزامية الإبلاغ الإجباري التي تحول أحيانًا دون طلب العلاج الطوعي، مؤكدة ضرورة إيجاد توازن يتيح المساعدة النفسية دون المساس بأمن المجتمع.
غير أنّ منتقدي هذا التوجّه وصَفوه بمحاولة لطمس الحدود الأخلاقية، محذّرين من أنّ اعتبار البيدوفيليا “اضطرابًا قابلاً للعلاج” قد يُفهم باعتباره تليينًا لموقف المجتمع تجاه جريمة لا تقبل التبرير. كما رأى كثيرون، بينهم السيناتور لي، أنّ أي مساحة رمادية في هذا الملف تمثّل خطرًا على مفهوم العدالة وحماية الطفولة.
ردود فعل متفاوتة على المنصة
تدفّقت التعليقات على منصة “إكس” بين مؤيّد لحدة ماسك ومعارض لطريقته. أحد المستخدمين كتب معبّرًا عن التأييد: “البيدوفيليا جريمة لا نقاش فيها، ولا مجال لتبريرها تحت أي غطاء طبي”. فيما أشار آخر إلى أنّ نشر مقالة تهدف إلى التوعية العلاجية كان يمكن أن يكون مفيدًا لو لم يُقدَّم بعنوان لافت يستفزّ الرأي العام.
في خضم هذا السجال، استعاد بعض المغرّدين قضايا أخرى أثارت الرأي العام حول معايير العدالة في الغرب، بينهم من ذكّر بتعليقات سابقة لماسك حول سياسات المملكة المتحدة في الإفراج عن المدانين بجرائم أخلاقية، حيث كتب في حينها أنّ “البلد الذي يطلق سراح المحكومين على خلفية الاعتداءات ضدّ الأطفال بينما يسجن أشخاصًا بسبب منشوراتهم على وسائل التواصل، بحاجة إلى مراجعة أولوياته”.
بين الحمية الأخلاقية وحدود النقاش العام
تُبرز هذه الواقعة حساسية النقاشات التي تجمع بين الطبّ والقانون والأخلاق العامة، خصوصًا حين تتناول موضوعات تمسّ الأطفال. ويشير مراقبون إلى أنّ إعادة نشر مقالات فكرية قديمة في سياقات جديدة قد تشعل نزاعات لم تكن مطروحة وقت صدورها، وتدفع شخصيات مؤثرة مثل ماسك إلى خوض معارك علنية تتجاوز مضمون المقال إلى رمزية الجهة الناشرة ومسؤولية الإعلام أمام المجتمع.
وفي نهاية المطاف، تبقى حماية الأطفال قضية لا خلاف حولها في جوهرها، لكن الانقسام يظهر حول الوسيلة المثلى لتحقيقها: أهي بالردع وحده أم بالعلاج المسبق أيضًا؟ جدلٌ متجدد يذكّر بأن الفضاء الرقمي ليس ساحة للرأي فحسب، بل مرآة تعكس توتّرًا مستمرًا بين حرية التعبير ومسؤولية الكلمة.
اقرأ المزيد
خسارة مفاجئة تربك طموحات إيلون ماسك في سباق الذكاء الاصطناعي
إيلون ماسك يحذر بشدة: ‘لا تدعوا أحباءكم يستخدمون ChatGPT’.. صراع علني يتصاعد مع سام ألتمان












