وطن-في صباح هادئ من شهر أغسطس عام 2019، ظهر على أحد أكثر المنتديات الإلكترونية إثارةً للجدل في العالم منشورٌ غامض سيُشعل لاحقًا موجة من التساؤلات حول واحدة من أبرز القضايا التي هزّت الرأي العام الأمريكي. فبينما كان رجل الأعمال جيفري إبستين بانتظار محاكمته بتهم تتعلق بالاتجار الجنسي، كتب مستخدم مجهول على موقع 4Chan رسالة أفاد فيها بأن إبستين «توفي منذ ساعة إثر توقف قلبي نتيجة شنق». كان ذلك قبل أن تُعلن وسائل الإعلام الرسمية الخبر بأكثر من نصف ساعة.
لغز المنشور الأول
اعتُبر المنشور المقتضب الذي دوّن عند الساعة 8:16 صباحًا بتاريخ 10 أغسطس 2019، أول إشارة علنية إلى وفاة إبستين داخل سجنه الفدرالي في مانهاتن. وبعد أقل من أربعين دقيقة من ذلك، نشر أحد مراسلي قناة «إيه بي سي نيوز» تغريدة أكدت الخبر، لتتفاجأ السلطات بأن أول من كشف الواقعة لم يكن صحفيًا أو مسؤولًا، بل مستخدمًا مجهول الهوية على موقع معروف بخليط من النقاشات العشوائية ومحتويات مثيرة للجدل.
تحقيقات عاجلة وبداية طريقٍ مسدود
أوضحت الوثائق التي كشفتها وزارة العدل الأمريكية لاحقًا، أن مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) تحرّك بسرعة لمحاولة تعقب هوية ذلك المستخدم. فبعد أربعة أيام فقط من نشر المنشورات، أصدرت الوزارة أمر استدعاء رسمي لموقع 4Chan يطالب بالكشف عن بيانات عناوين الإنترنت (IP) المُرتبطة بالحساب. لكن نتيجة هذه الخطوة لم تُجدِ نفعًا؛ فكل ما توصل إليه المحققون لم يُقرّبهم من التعرف إلى صاحبه الحقيقي.
وتُظهِر ردود الموقع الرسمية أن المستخدم نشر أربع رسائل متتالية، استخدم فيها مصطلحات طبية توحي بمعرفته ببعض التفاصيل الدقيقة. فقد ذكر أن جثمان إبستين نُقل إلى غرفة الطوارئ في إحدى مستشفيات مانهاتن السفلى، وأنه كان قد تمّ تركيب أنبوب تنفس وإعطاء سوائل علاجية له. كما بثّ في أحد ردوده المبكرة نظرية غير مثبتة تقول إن «جثمان إبستين ربما تمّ استبداله»، مشيرًا إلى «شاحنة غامضة شوهدت قرب السجن ليلة الحادثة».
محاولات بلا نتيجة
بعد تسلّم عنواني الـIP من إدارة الموقع، أصدر المحققون أوامر استدعاء أخرى لشركتي AT&T وT-Mobile للحصول على بيانات قد تكشف صاحب الاتصال وقت نشر الرسائل. إلا أن شركة AT&T أوضحت في رد رسمي أنها لا تحتفظ بسجلات تربط المستخدمين بعناوين IP الديناميكية، ما جعل الوصول إلى هوية الناشر أمرًا مستحيلًا. أما ردّ T-Mobile فلم تُدرج تفاصيله ضمن الوثائق المنشورة.
وفي العام التالي، أكّد الادعاء الفدرالي في نيويورك أنه لم يتم التعرف على هوية الكاتب المجهول. وقد ورد هذا التأكيد في مراسلات رسمية مرتبطة بالقضية التي طالت اثنين من حراس السجن، تيفا نويل ومايكل توماس، واللذين وُجّهت إليهما لاحقًا تهمٌ بتزوير سجلات المتابعة في الليلة التي وقعت فيها وفاة إبستين، قبل أن تُسقَط عنهما تلك التهم لاحقًا.
إخفاقات داخل السجن وتساؤلات قائمة
كشف تقرير صادر عن المفتش العام في وزارة العدل، امتدّ على 128 صفحة، عن سلسلة من الإخفاقات داخل مركز الاحتجاز في مانهاتن؛ من بينها تعطل كاميرات المراقبة في الجناح الذي كان يُحتجز فيه إبستين، وقرار إبقائه في زنزانة منفردة دون رفيق. التقرير لم يتطرق إلى منشورات 4Chan، لكنه أكد أن بيئة السجن كانت تعاني من «خلل إداري واسع» سمح بحدوث الواقعة دون ملاحظة أحد.
علاقات عابرة وندم متأخر
أظهرت الملفات نفسها أيضًا أن إبستين كان يستخدم الإنترنت بفاعلية، وأنه ربما كان من متابعي موقع 4Chan بنفسه، إذ أشارت بعض المراسلات إلى قيامه بإرسال روابط من الموقع إلى معارفه. كما تضمنت الوثائق إشارات إلى لقاء جمعه بمؤسس المنصة، كريستوفر بول المعروف بلقبه الإلكتروني “moot”. وقد قال بول لاحقًا في تصريحات صحفية إنه التقى إبستين مرة واحدة عام 2011 بناءً على دعوة من بوريس نيكوليك، المستشار العلمي السابق لبيل غيتس، وإنه «يأسف أشدّ الأسف لذلك اللقاء، ويشعر بتعاطف عميق مع ضحايا إبستين».
ويُظهر تبادل إلكتروني آخر أن إبستين كتب إلى نيكوليك بعد اللقاء قائلًا – بلغة غير دقيقة نحويًا – إنه «أُعجب بـ moot كثيرًا» وأنه «أوصله إلى منزله لأنه شخص لامع».
ختام
بعد مرور سنوات على وفاة إبستين، ما زال الغموض يلفّ تفاصيل الساعات الأخيرة في حياته، وكذلك هوية الشخص الذي سبق وسائل الإعلام وأعلن وفاته للعالم. إلا أن ما تكشفه الوثائق الرسمية يسلّط الضوء على كيفية انتشار المعلومات الحساسة في فضاء الإنترنت قبل أن تمر عبر القنوات الرسمية، وعلى حجم الصعوبة التي تواجهها أجهزة إنفاذ القانون في عصر تتبدل فيه الهويات والمواقع الافتراضية بسرعة تفوق قدرة التحقيقات التقليدية على اللحاق بها.
اقرأ المزيد
تحقيق جديد يكشف أسرار وحدات تخزين جيفري إبستين المخفية والملفات الغامضة وراء قضيته
ذكر أدق التفاصيل الطبية.. كيف تنبأ مجهول بموت إبستين بينما كان الحراس نياماً؟












