وطن-في خطوة تعكس مراقبة دقيقة لمراحل تطبيق قانون الأحزاب الجديد في الأردن، دعت الهيئة المستقلة للانتخاب حزب جبهة العمل الإسلامي، أبرز قوى المعارضة في البلاد، إلى تعديل اسمه ونظامه الأساسي بما ينسجم مع أحكام التشريعات التي تحظر وجود دلالات دينية أو طائفية أو عرقية في هوية الأحزاب السياسية المعترف بها قانونًا.
وجاء في بيان صدر عن الهيئة يوم الأربعاء أن رئاسة الحزب أُخطرت رسميًا بمضمون هذه الملاحظات في 17 فبراير 2026، وأن أمامها مهلة تمتد 60 يومًا لتصويب أوضاعها استنادًا إلى أحدث الإشعارات الصادرة. وأوضحت الهيئة أن هذا الإجراء يستند إلى قانون الأحزاب السياسية الذي يمنع تأسيس أو ترخيص أي كيان حزبي يقوم على خلفيات دينية أو طائفية أو عرقية أو جهوية أو فئوية أو على أساس الجنس أو الأصل.
رغم أن الإشارة إلى الهوية الدينية في أسماء الأحزاب تُعد ممارسة شائعة في بلدان عدة، سواء عربية مثل الجزائر والكويت والعراق، أو غربية كألمانيا وبلجيكا وهولندا، فإن القانون الأردني يسعى، وفق النصوص التنظيمية، إلى ترسيخ بيئة حزبية مدنية تفصل العمل السياسي عن الانتماءات العقائدية.
وإلى جانب مسألة الاسم، أشارت الهيئة إلى مخالفة أخرى تتعلق بآليات انتخاب الهيئات القيادية داخل الحزب، إذ أوضحت أن المحكمتين العليا والمركزية في الجبهة لم تُنتخبا عبر مؤتمرها العام، ما اعتبرته الهيئة إخلالًا بمعايير الحوكمة والشفافية واستقلالية القضاء الداخلي.
من جانبها، أكدت مجلس الشورى في الحزب أنه بدأ مطلع الشهر الجاري مراجعة شاملة لنظامه الأساسي لتكييفه مع المتطلبات القانونية المستجدة، مشيرة إلى أن عددًا من التعديلات قد أُقر بالفعل، بينما أُجّل النقاش حول مواد أخرى إلى الأسبوع المقبل.
وفي تصريحات صحفية، قال الأمين العام للجبهة وائل السقا إن حزبه يتعامل بإيجابية مع التطورات التشريعية الأخيرة، مشددًا على أن التعديلات المقترحة تراعي مبادئ الحكم الرشيد وتؤكد على الالتزام الوطني للحزب باعتباره تنظيمًا أردنيًا ذا مرجعية إسلامية، يعمل في الإطار الوطني والعربي العام. كما أشار إلى أن الجبهة شرعت خلال الأشهر الماضية في عملية إعادة هيكلة داخلية تهدف إلى تعزيز الشفافية والمشاورات المؤسسية.
خلفية الموقف القانوني
تأتي هذه التطورات بعد مضي نحو عام على حظر جماعة الإخوان المسلمين في المملكة وتجريم الترويج لأفكارها، وهي الخطوة التي ألقت بظلالها على المشهد الحزبي برمّته. وتُعد جبهة العمل الإسلامي، التي تأسست عام 1992، الواجهة السياسية الأبرز للإخوان تاريخيًا، وتمثل أكبر كتلة معارضة في البرلمان بـ 31 نائبًا، وقد حققت في انتخابات عام 2024 ما يقارب ثلث الأصوات، وهو أفضل أداء انتخابي لها منذ نشأتها.
لكن الحزب واجه تصاعدًا في الإجراءات الرسمية بحقه منذ أبريل الماضي، حين أغلقت السلطات مقار جماعة الإخوان ومنعت أنشطتها، ثم داهمت مقرات الجبهة في عمّان، في خطوة فُسّرت على نطاق واسع بأنها مقدمة لاحتمال سحب الترخيص. وعلى إثر ذلك، حرصت الجبهة على إظهار مسافة تنظيمية واضحة بينها وبين الجماعة الأم، مؤكدة أن العلاقة بينهما فكرية لا تنظيمية.
وقال السقا في تصريحات سابقة للصحافة الفرنسية إن الحزب يشعر بأنه يخضع لمراقبة دقيقة من السلطات، وإنه حريص على الالتزام التام بكل ما يصدر عن الأجهزة الرسمية من قرارات تخص العمل الحزبي، موضحًا أن أعضاء الحزب ليسوا جميعًا منتمين إلى جماعة الإخوان، رغم اشتراك عدد منهم معها في مواقف إنسانية مرتبطة بقضايا إقليمية، ولا سيما دعم غزة.
سياق اجتماعي وأمني
تزامن التصعيد ضد الجماعة وأنشطتها مع موجة احتجاجات شعبية شبه يومية شهدتها البلاد تضامنًا مع فلسطين ورفضًا للحرب على غزة، حيث خرج متظاهرون باتجاه الحدود مع إسرائيل وسفارتها في عمّان، رغم الإجراءات الأمنية المكثفة.
ويتابع مراقبون أن الإجراءات التنظيمية الجديدة، بما فيها مطالبات الهيئة المستقلة للانتخاب، تعكس توجهًا حكوميًا نحو إعادة ضبط المشهد الحزبي وضمان توافقه مع فلسفة الإصلاح السياسي التي أعلن عنها الأردن خلال العامين الماضيين.
نحو مشهد حزبي أكثر توازنًا
في ختام المشهد، يبقى التحدي الأبرز أمام الأحزاب الجديدة والقديمة على حد سواء هو كيفية التوفيق بين الهوية الفكرية التي تستند إليها، والالتزامات القانونية التي تفرضها الحياة السياسية المدنية في المملكة. ورغم حساسية النقاش حول الدين والسياسة في المنطقة، إلا أن التجربة الأردنية تسعى، بخطوات محسوبة، إلى بناء حياة حزبية تقوم على التعددية والالتزام الوطني دون إقصاء أو استقطاب.
اقرأ المزيد
اعتقال أيمن العتوم يجتاح مواقع التواصل… والأردنيون يغضبون: “القلم أخطر من كل الفاسدين”












