وطن-تشهد العلاقات بين السعودية والإمارات، وهما من أبرز القوى المؤثرة في المشهد الخليجي، مرحلة حساسة من التوتر السياسي والدبلوماسي على خلفية ملفات إقليمية معقدة تمتد من السودان إلى اليمن.
فخلال الأسابيع الماضية، تبادلت العاصمتان رسائل غير معتادة في لهجتها، عبّرت عن قلق سعودي واضح من مواقف الإمارات في عدد من القضايا، فيما حاولت الرياض ـ حسب ما تسرّب من تفاصيل ـ تهدئة الخلاف المتصاعد عبر قنوات دبلوماسية رفيعة.
جذور الأزمة
تعود بداية التوتر إلى اتهامات صدرت عن مسؤولين أمريكيين بأن السعودية طلبت من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب فرض عقوبات على الإمارات، بسبب ما اعتبرته الرياض دعماً إماراتياً مباشراً لقوات الدعم السريع في السودان. هذه القوات، التي تخوض صراعاً دامياً مع الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، تُتهم من جانب الأمم المتحدة بارتكاب فظائع في إقليم دارفور، ووصفت لجنة أممية بعض أفعالها بأنها تحمل مؤشرات “إبادة جماعية”.
وبحسب ما كشفته صحيفة أمريكية بارزة، فقد نقل ترامب بنفسه هذه الرسالة إلى الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد خلال اتصال هاتفي في نوفمبر الماضي، أعقب زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض. وفي ذلك الاتصال، أبلغه ترامب – وفقاً للمصادر – بأن “بعض أصدقائه يسعون للنيل منه، لكنه يقف إلى جانبه”، ما عُد تلميحاً إلى أن الرياض كانت تمارس ضغوطاً من خلف الكواليس.
توازن القوى في السودان
منذ اندلاع النزاع في السودان، حاولت السعودية في البداية لعب دور الوسيط بين طرفي الصراع، مستفيدة من موقعها الجغرافي المواجه للسواحل السودانية عبر البحر الأحمر. غير أن تطورات الميدان أظهرت اصطفافاً متزايداً للرياض إلى جانب الجيش السوداني، في مقابل دعم إماراتي واضح لقوات الدعم السريع، وهو ما عمّق هوة الخلاف بين الحليفين الخليجيين، وأوجد انقساماً في المقاربة تجاه الأزمة السودانية بين محور يضم السعودية ومصر وتركيا، وآخر تميل إليه أبوظبي.
من السودان إلى اليمن
ويرى محللون أن هذا التباين لم يقتصر على الملف السوداني؛ فخلال ديسمبر الماضي، دعمت الإمارات، بحسب تقديرات استخبارية، هجوماً واسعاً شنّته قوات جنوبية انفصالية في اليمن، ما أدى إلى ردّ عسكري سعودي واسع انتهى بإخراج المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من أبوظبي من مواقعه الأساسية.
وتعتقد القيادة السعودية، وفق تقارير إعلامية أمريكية، أن تلك الخطوة جاءت كرد فعل مباشر من الإمارات على ما تردد عن سعي الرياض لحشد واشنطن لفرض عقوبات اقتصادية عليها.
رسالة لاحتواء الخلاف
ولمحاولة احتواء هذا التصاعد، بعث ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قبل أسابيع برسالة مطوّلة إلى مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد. وتضمنت الرسالة، التي وُصفت بأنها تفصيلية، مجموعة من الملاحظات والاعتراضات على سياسات الإمارات في كلٍ من السودان واليمن، مع التأكيد على رغبة الرياض في معالجة الخلاف من خلال الحوار المباشر.
كما أشار ولي العهد في الرسالة إلى “دهشة” بلاده من اعتقاد الإمارات بأن السعودية ضغطت على الولايات المتحدة لفرض عقوبات ضدها، مؤكداً حرص الرياض على عدم الانجرار إلى نزاع سياسي مع جار وشريك استراتيجي.
الموقف الأمريكي
ورغم أن واشنطن لم تفرض عقوبات على الإمارات حتى الآن، فإن وزارة الخزانة الأمريكية أعلنت، في بيان صدر الأسبوع الماضي، عقوبات جديدة استهدفت عدداً من قادة قوات الدعم السريع. وكشف البيان أن شقيق قائد تلك القوات محمد حمدان دقلو “حميدتي” يستخدم هوية إماراتية إلى جانب جواز سفر كيني، ما سلط الضوء مجدداً على مدى تشابك المصالح بين أطراف الصراع.
ما بين مساعي الوساطة ومنافسة النفوذ على ساحات إقليمية مضطربة، تبدو العلاقة بين الرياض وأبوظبي أمام اختبار جديد يفرض على الطرفين إعادة ضبط تعاملاتهما السياسية والعسكرية بما يحفظ توازن المنطقة. فالتقاطع في المصالح لا يلغي أن الخلافات، إذا ما تصاعدت، قد تترك آثاراً أوسع تمتد إلى ملفات الأمن العربي والبحر الأحمر، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى استقرار أكثر من أي وقت مضى.
اقرأ المزيد
ديفيد هيرست يكشف: كيف تخطط السعودية لإعادة رسم الشرق الأوسط ومواجهة ضغوط ترامب؟
حسابات وهمية تديرها الإمارات تستهدف المقاومة والسعودية وتروّج لدورها الإنساني في غزة












